عذرًا ديكارت: أنا أكره، إذًا أنا موجود
عذرًا ديكارت: أنا أكره، إذًا أنا موجود
عشقٌ في يوم واحد يأتي كل أربع سنوات، وكرهٌ على مدار السنة، هكذا هو العمل الحزبيّ في لبنان.
«الكراهية تلحق ضررًا بحاملها، أكثر ممّا تفعل بمن تُصبّ عليه»
ليس ضروريًّا أن تفكّر كثيرًا، لتكون موجودًا في صفوف حزب سياسيٍّ في لبنان. يكفي أن تكره. وعندها، يأتيك حبٌّ عظيم لزعيمٍ عظيم. الإنتماء السياسيّ في لبنان هو، في الأساس، خلطةٌ من المشاعر بين الحبّ والكراهية. يُحكى أنّ الكراهية، مثل الحوامض، تلحق ضررًا بالوعاء الذي يحويها، أكثر ممّا تفعل في مَن تُصبّ عليهم. لكنْ، لكثرة ما أُلحِق بنا من أضرار، لم نعد نعلم أيًّا منها سبّبته الكراهية، وأيًّا منها ألحقه بنا العشق. للساسة في لبنان، وفرة في الأوعية بين عاشقيهم، يصبّون فيها الكراهية والغضب، فتلحق ضررًا يُمنةً ويُسرة، وهم يبقون سالمين. والأوعية، لتبسيط الإستعارة اللغويّة الساذجة، هم المناصرون العاشقون.
«تلازم الكراهية والعشق في الحياة السياسيّة»
للعشق، في السياسة، مفاعيل أقسى من الكراهية. لسماحة العشق، مثلًا: لبّيك نصرالله. وإلى جانب الله، حينًا، الحكيم فقط والقوات، وبعده، حينًا آخر، يأتي عون «وبس». وفي استعارة لغويّة، أكثر سذاجة من السابقة، يمسي نبيه برّي نبيًّا، فقط، لولا لجاجة الهاء. وعلى قدر أهل عشق هؤلاء، تأتي الكراهية. أو العكس. لا يهمّ. لكن يكفي أن تكره. فالعشق والكراهية متلازمان في الحياة السياسيّة اللبنانيّة.
«قل لي من تكره، أقل لك من تحبّ»
الحب السياسيّ في لبنان، على غرار قصص الغرام، لا يفرّط بحَصريّته. تعشق زعيمًا، دون سواه، وتكره كلّ من ليسوا هو. أو تقع في شَرَك حبّه، عندما تكره ما يقول إنّه يكرهه: جماعةٌ وقضيّةٌ ما، أو دولةٌ هنا ومحورٌ هناك أو جماعةٌ هنالك. قل لي من تكره، أقل لك، مع هامشٍ طفيف للخطأ، من تحبّ. فالكراهية، عند المرء، تعطي صورةً، عن تَمَوضُعه السياسيّ، أوضح ممّا يفعّل عشقه رموز التموضع هذا، مهما كان لون حزبه أو زعيمه. صحيح أنّ علاقات العشق والكراهية السياسيّة متفشّيةٌ في أحزاب كلّ طوائف البلد، لكنّ الزيجات التي تُفضي إليها، هي، من دون أيّ استثناء، مارونيّة. فالطلاق السياسيّ، في أيّ منها، معقّدٌ وغير سائغ.
«جرائم الكراهية مقبولة اجتماعيًّا»
في زمن الإنحطاط، يقول جورج أورويل، يصبح قول الحقيقة فعلًا ثوريًّا. وفي زمن الإنحطاط، أيضًا، تصبح الكراهية أقوى من الحبّ. عندها، يفقد سيف الحقيقة أحد حدّيه، ويبقى ذاك المسلّط نحو رقبة قائلها. رفض العقاب الجماعيّ، مثلًا، وهو مسلّمةٌ اجتماعيّةٌ عالميّة، يدفع حدّ الحقيقة الحادّ نحو رقبتك. السوريّون كلّهم مذنبون بجريمةٍ ارتكبها قلّة. الفلسطينيّون كلّهم غزاة. وأهل الغرب كلّهم كولونياليّون وصهاينة. هذا منطق الكراهية. أعمى وغرائزيّ. الحب أعمى، والكراهية عمياءُ أيضًا. فهي تُسهّل تحميل الذنب للبريء منه، بقدر ما يُصعّب العشق إلقاء الملامة على مرتكبٍ معشوق.
لأنّها سمةٌ مشتركة بين جميع الكيانات السياسيّة، أصبحت جرائم الكراهية، لاسيّما عندما يكون المعاقَبون ضعفاء ومتروكين، مقبولةً إجتماعيًّا وسياسيًّا. لكنّ الأسوأ، في زمن الإنحطاط هذا، هو أنّها أمست، أيضًا، مقبولةً قانونيًّا، وأمسى تعنيف لاجئ سوريّ وتعذيب آخر أو طرد عائلة بأكملها، في نظر القانون، «فشّة خلق» مقبولة.
«أنا أكره، إذًا أنا موجود»
لا مكان للمناصرين، العاشقين والكارهين، في صناعة القرار الحزبيّ والسياسيّ والإقتصاديّ والإجتماعيّ والإنسانيّ في لبنان. فالدَّور المنوط بهم محصورٌ بالعشق والكراهية. فهم، لا يُسمع صوتهم إلّا يومًا واحدًا في صندوق اقتراع، مردّدًا: أنا موجودٌ لأنّني أعشق وأنتخب. وفي الأيام الباقية، يهتفون: أنا أكره، إذًا أنا موجود.

