العفو على الطريقة اللبنانية: حين يصبح الإفلات من العقاب قانوناً
مرة جديدة يثبت النظام اللبناني تَمَيزه بموهبة استثنائية في تحويل فشل الدولة إلى إنجاز سياسي، والعجز المؤسسي إلى تسوية تحتفل بها القوى السياسية وكأنها تشريع جديد في فلسفة العدالة. فقانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب قُدّم باعتباره معالجة إنسانية لأزمة السجون، ولظاهرة التوقيف طويل الأمد، ولأحكام وغرامات لم تعد تتناسب مع أوضاع المحكومين وجرمهم، فضلاً عن ملفات قضائية عالقة لا يزال أصحابها ينتظرون منذ سنوات أن يتحرك القضاء وتُنصِفهم العدالة.
بعض هذه المظالم حقيقي، ولا شك في أن بين المستفيدين من القانون مَن تعرض لظلم أو لتوقيف تعسفي أو لعقوبة لا تتناسب مع الجُرم المُرتَكب. إلا أن هذه الحقيقة تحديداً يجب أن تقلقنا أكثر مما تطمئننا.
فالعدالة لا تُحَقَق من خلال الاستثناءات، والقضاء لا يُمكن اصلاحه عبر إلغاء دوره الفعلي كل بضعة أعوام بتسوية سياسية.
إذا كان هناك أشخاص أمضوا سنوات في السجن من دون محاكمة، فليُفَعَل عمل القضاء ويُحاكموا. وإذا كانت بعض العقوبات جائرة أو غير متناسبة، فليُعاد النظر فيها. وإذا أنهى السجين مدة محكوميته وبقي قابعًا خلف القضبان بسبب عجزه عن دفع الغرامة المتوجبة عليه، فليُعدّل القانون ذات العلاقة. وإذا صَدرت أحكام مشكوك في نزاهتها، فلتُفتح الملفات مجدداً.
هذه كلها وظائف القضاء، وليست وظائف مجلس النواب حين يجتمع زعماء الطوائف لتوزيع المغفرة.
قد يكون العفو ذا قيمة بعد حرب أهلية، أو عند أي انتقال سياسي، أو عقب انهيار نظام، أو في ظرف وطني استثنائي يستوجب إغلاق صفحة وفتح أخرى. أما عندما يتحول العفو إلى وسيلة دورية لمعالجة ما عجزت عنه المحاكم، فهو لا يعود تجسيدًا للرحمة، بل يصبح شهادة رسمية على استسلام مؤسسات الدولة.
والمشكلة في النسخة اللبنانية من العفو أنها، ككل شيء تقريباً في نظامنا السياسي، خرجت من رحم المحاصصة الطائفية.
لم يدور النقاش الحقيقي حول جوهر العقوبات، ولا حول إصلاح السجون، ولا حول حق المتهم بمحاكمة عادلة وسريعة، ولا حتى حول كيفية معالجة ظاهرة الاكتظاظ. كل طائفة حضرت وفي جيبها لائحتها الخاصة: سجناء تعتبرهم مظلومين، مطلوبون تريد تسوية أوضاعهم، فئات تريد حمايتها، وضحايا ترى أن دماءهم أقدس من دماء الآخرين.
وفي النهاية خرج القانون كما تخرج غالبية التسويات اللبنانية: هذا الفريق حصل على هذه الفئة، وذاك ضمن تلك الفئة، وطائفة انتزعت تنازلاً، وأخرى حصلت على تعويض سياسي، ثم عاد الجميع إلى قواعدهم ليعلنوا الانتصار.
لكن العدالة التي توزع حصصاً على الطوائف لا تعود عدالة.
عندما تصبح هوية الجاني، أو الطائفة التي ينتمي إليها، أو الحزب الذي يرعاه، الأساس في تحديد مصيره القضائي، نكون قد ابتعدنا كثيرًا من مبدأ المساواة أمام القانون. عندها لا يكون القاضي هو صاحب الكلمة الحاسمة، بل الزعيم؛ ولا يكون الفصل بيد المحكمة، بل على طاولة المفاوضات.
وفي لبنان، أصبح الـ «زعيم» قاضياً أعلى من القاضي، وقدرته تفوق قدرة النيابة العامة على تحديد من يستحق العقاب ومن يستحق الغفران.
غير أن الجدل الذي رافق قانون العفو كشف أيضاً مشكلة أخرى ربما تكون أكثر حساسية، وهي النزعة السياسية المتزايدة لدى بعض مؤسسات الدولة، وفي مقدمها المؤسسة العسكرية.
فالجيش اللبناني، بحسب أبسط قواعد الدولة، هو مؤسسة تخضع للسلطة المدنية المنتخبة ولا تشارك في صياغة التشريع بسبب حيثيتها وخصوصيتها. إلا أن الطريقة التي تعامل بها الجيش ووزارة الدفاع مع قانون العفو، ومحاولات الضغط أو الاعتراض عليه بحجة أن بعض المستفيدين منه متهمون أو مدانون بقتل عسكريين، حملت قدراً لا يُستهان به من الشعبوية والاستعراض المؤسساتي.
إن قتل العسكريين هو جريمة وطنية، ولا يمكن لأي شخص عاقل أن يستخف بها أو بآلام عوائل الجنود الشهداء الذين سقطوا. لكن حجم الجريمة وخطورتها هي السبب الرئيس الذي يُحَتم معالجتها حصرًا في القضاء، لا أن تتحول إلى حق نقض عاطفي تمارسه المؤسسة العسكرية على قرار تشريعي.
فالجيش لا يتفرد بدماء جنوده، ووزير الدفاع لا يملك تلك الدماء على حد سواء.
أهالي العسكريين لهم الحق في إقرار العدالة وإنصاف أرواح أبنائهم، كما لأهالي كل ضحية في لبنان الحق نفسه. لكن لا يجوز أن توضع الدولة أمام معادلة تفضل ضحايا مؤسسة معينة على غيرها وتقدسها؛ أو أن تمنح الذاكرة العسكرية المؤسسة حقاً سياسياً إضافياً لا تتمتع به المؤسسات الأخرى.
هنا يكمن الخطر الحقيقي.
فالمؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها وصية لا على الأمن وحده، بل على تعريف العدالة وعلى تحديد ما يجوز للسلطة التشريعية أن تفعله أو لا تفعله، تدخل نفقًا خطيرًا جداً. ولبنان الذي يُقاسي أصلاً من وجود قوى مسلحة نَصَبت نفسها فوق الدولة، ليس في حاجة إلى إضفاء ميزة الاستثناء على المؤسسة المكلفة بحماية الدولة.
فالجيش القوي هو الجيش الذي يحمي المؤسسات، لا الذي ينافسها؛ والذي ينفذ قرارات السلطة الشرعية، لا الذي يكوّن لنفسه «قضية سياسية» مستقلة عنها.
ولعل المفارقة في كل هذا كانت ستعجب أبا نواس، الذي ارتبط اسمه بالإفراط في الدنيا بقدر ما ارتبط بالثقة اللامحدودة بالمغفرة، والذي نُسب إليه قوله:
يا ربِّ إن عظمت ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ
لكن أبا نواس كان يخاطب الله.
أما السياسيون اللبنانيون، فيبدو أنهم قرأوا البيت باعتباره مادة في قانون العقوبات.
قد تكون المغفرة الإلهية لا متناهية، أما عدالة الدولة محدودة. فالجمهورية التي تمرر إلى مواطنيها رسالة مفادها أن العقوبة مؤقتة، وأن الجريمة يمكن أن تمحوها لاحقاً تسوية بين الطوائف، لا تشجع المصالحة بل تمول الإفلات من العقاب.
وهي بذلك تعلّم المجرم درساً بالغ الخطورة: المسألة ليست في ما إذا كنت قد خرقت القانون، بل في ما إذا كنت تنتمي إلى جماعة تمتلك من القوة ما يكفي للتفاوض عليك عندما تحين ساعة التسوية.
وهنا تكمن خطورة قانون العفو أكثر من عدد الأشخاص الذين سيخرجون من السجون.
إنه يكرس ثقافة سياسية كاملة تعتبر المحاسبة ظرفاً عابراً، فيما الإفلات من العقاب هو القاعدة الثابتة.
وهذه ليست ظاهرة جديدة في لبنان. إذ منذ عقود ونحن نتقن حرفة دفن الجرائم تحت شعار الاستقرار، وتعطيل التحقيقات باسم السلم الأهلي، وتحويل كل مطالبة بالمحاسبة إلى تهديد للتوازنات الطائفية. ثم نصل في النهاية إلى تلك المعادلة اللبنانية العجيبة التي يصبح فيها الجميع مذنبين بصورة ما، وبالتالي لا يعود ممكناً محاسبة أحد.
قانون العفو الجديد ينسجم تماماً مع هذه المدرسة.
سيقول المدافعون عنه إن هناك مظلومين بين السجناء، وهم على حق. وسيقولون إن هناك عائلات دُمرت بسبب سنوات التوقيف، وهذا صحيح أيضاً. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا ليس فقط: لماذا يجب الإفراج عن هؤلاء؟
السؤال الأهم هو: لماذا احتاجوا إلى تسوية سياسية كي يحصلوا على حقهم؟
لماذا لم يستطع القضاء إنصافهم؟
ولماذا يحتاج من ظُلم إلى انتظار اتفاق بين الأحزاب والطوائف والكتل النيابية حتى يستعيد حريته؟
إذا كان القانون قد أنقذ مظلوماً، فإن وجود ذلك المظلوم في السجن طوال هذه السنوات هو الإدانة الأكبر للدولة.
وهنا لا يمكن تسمية ما جرى إصلاحاً.
الإصلاح يعني قضاء مستقلاً، وتسريع المحاكمات، ووضع سياسات جنائية حديثة، وقواعد أكثر عدلاً للتوقيف الاحتياطي، وآليات واضحة لمراجعة الأحكام الخاطئة، وحلولاً لمشكلة الغرامات والعقوبات غير المتناسبة، وإنشاء سجونًا تليق بالإنسان.
أما أن نترك النظام القضائي يتآكل ثم نعقد كل بضعة أعوام مؤتمراً سياسياً للمغفرة، فهذا ليس إصلاحاً، بل اعتراف بأن ميزان العدال الطبيعي لم يعد فعّال.
لبنان لا يحتاج إلى درس إضافي في فن الهروب من العِقاب.
ولا يمكن لدولة أن تستقيم وهي تعيد توزيع البراءة كل فترة وفق حسابات التوازن الطائفي، فيما يحتفظ كل من الحزب والطائفة والمؤسسة العسكرية بحق تحديد الجريمة التي تستحق العقاب والضحية التي تستحق الأولوية.
الدولة التي يحكمها القانون يجب أن تكون عدالتها موحدة، لا أن تكون ثماني عشرة عدالة بحسب عدد الطوائف.
وإلا، فربما يكون من الأجدى تعليق أبيات أبي نواس فوق أبواب قصور العدل اللبنانية بدل تماثيل العدالة.
ففي الجمهورية اللبنانية الجديدة، الرسالة أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
ارتكب اليوم جرمك. فاوض غداً. وسيأتيك العفو في النهاية.

