حين تتحوّل الكراهية إلى سياسة

حين تتحوّل الكراهية إلى سياسة

  • ١٣ شباط ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

الكراهية رخصة للقتل، إذ لا يبدأ العنف بالرصاص بل بجملة تقال على منبر بصوت مرتفع ووجه متجهّم أو تكتب في منشور حتى تفقد صفتها كتحريض وتتحوّل إلى «رأي عام»، فالكراهية سياسة وليست زلّة لسان.

خطاب الكراهية هو أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات داخل الوطن الواحد وفي العلاقات بين الدول والشعوب، هذا الخطاب يتأسس على التحريض والإقصاء والتعميم السلبي وشهوة إلغاء المختلف في السياسة أو الدين أو العرق، خطاب يضرب أسس العيش المشترك والسلم الإجتماعي في الوطن الواحد كما هي الحال عندنا في لبنان، إذ بدل أن يكون التعدّد والتنوّع الثقافي والديني مصدر غنى وقوة تحوّل إلى مادة صراع وانقسام وأدى إلى تكريس الصور النمطية ونزع الإنسانية عن «الآخر»، وإلى خلق حالة من الشك والخوف المتبادل بين «نحن» و«هم» علماً أنّه يتغذّى من الأزمات السياسية والإقتصادية إذ يجري تحميل الفئات لبعضها مسؤولية هذه الأزمات وتتحوّل المعركة من خبز إلى هوية، وتغدو الشعارات أكبر من موازين القوى ومن دون أدوات وتفتح الأبواب أمام العنف اللفظي والجسدي.

كذلك فإنّ زرع الكراهية في الوعي الجمعي يجعل فرص المصالحة والتفاهم أكثر صعوبة حتى بعد انتهاء الأزمات، وقد ساهمت وسائل التواصل في الإنتشار السريع لخطاب الكراهية بسبب سهولة النشر وضعف الرقابة والخوارزميات التي تفضّل المحتوى المثير للإنفعال، كما أنّ المنابر الإعلامية غير المهنية تلعب دوراً  سلبياً في  تضخيم الخلافات من خلال عناوين تحريضية ومحتوى يفتقر إلى الدقّة والتوازن بحيث تتحوّل الخلافات والإختلافات إلى عداء ثقافي أو حضاري شامل، ويصبح المختلف في السياسة أو الدين عدواً يجب تهميشه أو إلغاؤه، ولا عجب عندما يتحوّل المتطرفون سياسياً أو دينياً أو إجتماعياً نجوماً على الشاشات ومواقع التواصل الإجتماعي، فالإعلام المهني المسؤول قادر على تفكيك الخطاب المتطرّف أو الطائفي بكشف زيفه وإعلاء قيم الحقيقة والإنصاف.

الكراهية رخصة للقتل، إذ لا يبدأ العنف بالسكين ولا بالرصاص بل بجملة تقال على منبر بصوت مرتفع ووجه متجهّم أو تكتب في منشور أو تُذاع عبر الأثير وتُكرّر حتى تفقد صفتها كتحريض وتتحوّل إلى «رأي عام»، فالكراهية سياسة وليست زلّة لسان.

 إنّها تُدار بوعي كامل لا سيما عندما يُعرّف الوطن بطريقة إقصائية وعندما يُختزل الإنتماء بلون واحد أو رأي واحد أو هوية واحدة ومن يخرج من هذا القالب يُجرّد من إنسانيته أولاً ثم من حقوقه ثم من حياته إذا لزم الأمر.

وهكذا تتحوّل الجماعة أو السلطة غير المعلنة إلى مصنع لغوي مهمته تهيئة المجتمع نفسياً لتقبّل الدم لا بل للمطالبة به، فالكلمة التي نصفّق لها تتحوّل إلى سلاح قتل، ومن يحرّض بالكلمة يشارك في سفك الدم، لا بل يكتب السطر الأول في مشهد الدم فحين تُسمّم اللغة يُسمّم الواقع  وحين تُغتال اللغة  يبدأ اغتيال البشر وتتحوّل الكلمات إلى جثث قتلى.

 حين تُسفك الدماء يتظاهر الجميع بالدهشة وكأنّ الكلمات أو الخطابات التي قيلت على مدار السنين وتتكرّر على مدار الأيام لم تكن تدريباً على القتل، فمن يرّوج لخطاب الكراهية ثم يتبرأ من العنف يكون كمن يشعل النار ومن ثم يلعن الدخان.

إنّ شيطنة الخصم أسهل من إقناع الناخبين، وتقسيم المجتمع أسهل من إدارة النزاعات، وتعبئة الغضب وتوجيهه ناحية «الآخر» أسرع من بناء مشروع، وحين تكون الذاكرة مثقلة بالحروب الأهلية والتهميش والنزاعات والأحداث الدامية، وحين لا يُحلّ الماضي فإنّه يعود في شكل إيديولوجيا حاقدة صلبة ويابسة لا تقبل التراجع ولا الهزيمة ولا النقد ولا المراجعة.

كما أنّ عدم تنقية الذاكرة يتحوّل إلى كراهية موروثة لا تنتهي بانتهاء الصراعات إذ تتحوّل التواريخ والثارات والأحقاد إلى تراث لغوي وإلى إرث يتناقله الأولاد والأحفاد لا بل يتربون عليه.

السياسة هي فنّ العمل مع المختلف لا مع الشبيه كذلك الناس لا يغيّرون قناعاتهم في ظلّ الإهانة والصراخ والشتيمة، فالعاقل يخاطب العقل والكرامة ولا يخاطب الذنب، فخطاب الكراهية لا يعرف الطمأنة، فالكلمات التي تُشحن بالعنف لا تبقى في حدود الخطاب بل تنتقل سريعاً إلى الشارع وتتحوّل إلى سلوك عدائي وإلى فوضى قاتلة.

 ففي الإحتجاجات والإنتفاضات الشعبية استخدم خطاب كراهية بتصوير المتظاهرين «خونة» و«عملاء» أو «حشرات يجب سحقها»، فهذا الخطاب مهّد نفسياً لتبرير وشرعنة العنف ضدّهم ولإضعاف التعاطف المجتمعي مع مطالبهم.

وحين تفشل السياسة وينهار العقل وتفقد الكلمات شرفها وكرامتها تصبح مواجهة خطاب الكراهية ضرورة أمنية واجتماعية ووطنية لأنّ معركة مواجهة الكراهية ليست ترفاً لغوياً وأخلاقياً وليست معركة كلمات فقط، بل معركة لحماية الإنسان وصون الأوطان وفتح آفاق لمستقبل أقلّ دماً وأكثر رحمة وعدلاً وإنسانية، لذا تبدو ثقافة اللاعنف ضرورة ومن أولى مهماتها فضح العنف بوصفه خياراً لا قدراً لا سيما عندما يُربط العنف بجملة فضائل كالشجاعة والفروسية  والنبل والبطولة والتقوى.

 فخطاب الكراهية يعمل على شيطنة كل البدائل السلمية إذ يقدّم خيار اللاعنف كخطاب طوباوي عاجز، غير واقعي وحتى خياني، إذ إنّ فلسفة اللاعنف تقوم على إيجاد معنى للحياة عبر الإعتراف بحقّ وحريّة الإختلاف وعدم إلغاء المختلف أو تبرير شرعنة إلغائه، كما تعمل على حلّ النزاعات بوسائل سلمية، فاللاعنف لا يعني الإستسلام ولا الخضوع للظلم، هو مقاومة مدنية لمقارعة الظلم ورفض الغرق في دوامة الدم التي لا نهاية لها.

فالخطاب اللاعنفي البديل لا يدّعي الطهارة ولا امتلاك الحقيقة ولا يحتكر الوطنية والأخلاق، ولا يختزل الناس بزعمائهم ولا يعد بالخلاص السريع ولا ينتظر الخارج كمنقذ، فهو يعترف بالتناقضات والتعقيدات ويسمّي القيود  ويتحدّث عن حلول وقوانين  ومؤسسات ومراحل وآليات، ويقدّم ضمانات لا وعوداً وأوهاماً، ولا يحرق الرموز النظيفة ويخاطب الناس كأشخاص خائفين لا كجمهور جاهل، ويحاسب بدل أن يهدم ويدّمر ويبتعد عن خطاب التخوين، ويعمل على بناء مساحات صلبة صغيرة مشتركة داخل واقع هشّ كبير ولا يراهن على الإنهيار كفرصة ولا يخوض سباق من الأنقى.

فمن يكره سراً يفشل علناً، وكما يقول غاندي، قوة الكلمة في عدالتها لا في عنفها والغايات لا تبرّر الوسائل «فالغاية موجودة في الوسيلة كما الشجرة في البذرة».

فإما أن نستعيد الخطاب الإنساني أو نستمر في تبرير العنف حتى يلتهم الجميع بلا إستثناء، فإما أن نكسر هذه اللغة أو سنُدفن تحت تداعياتها، بدءًا من التعليم عبر غرس ثقافة الحوار وقبول الآخر المختلف، مروراً بالإعلام وصولاً إلى التشريعات التي توازن بين حريّة التعبير ومنع التحريض على العنف والكراهية، فلا بدّ من تدنيس العنف بدلاً من تقديسه وربطه بالخلاص الأبدي.