حين تغيب لقمة العيش عن الخطاب السياسي للأحزاب اللبنانية
حين تغيب لقمة العيش عن الخطاب السياسي للأحزاب اللبنانية
عندما يصبح السؤال دائماً «هل زعيمك أفضل من زعيمي» أو «هل حزبك أفضل من حزبي؟» تغدو المنافسة بين جماعات على الولاء والتعبئة والنفوذ.
الأحزاب اللبنانية بغالبيتها القصوى تتحدّث في كل شيء إلا في حياة الناس وذلك لأنّ السياسة اللبنانية تُبنى على سؤال «من يمثلني» أكثر من «ماذا سيفعل لأجلي». فالنظام السياسي نفسه قائم على التمثيل الطائفي، والأحزاب الرئيسية تاريخياً منظمة حول الانتماء الطائفي لا حول برامج اقتصادية واجتماعية متنافسة لا سيما بعد السقوط المريع للأحزاب العلمانية مما يجعل الهوية والطائفة والسيادة والسلاح والتحالفات الخارجية أكثر قدرة على تحريك الناخب من سؤال مثل: ما خطتك للتعليم الرسمي؟ أو كيف سترفع الأجور؟ أو كيف تحمي الإنتاج الزراعي؟ أو كيف سترد أموال المودعين؟
وذلك لأنّ الهمّ المعيشي قد يكون خطراً على الطبقة السياسية نفسها إذا بدأ النقاش حول الكهرباء والضمان والضرائب والمصارف والمدرسة الرسمية والبطالة والإنفاق العام، إذ سرعان ما نصل الى سؤال: من حكم؟ ،من اتخذ القرارات؟ ومن استفاد؟ لذلك سيكون أسهل نقل النقاش الى ملفات الهوية والوجود والخطر الخارجي والطائفة لأنّ ذلك يسمح للحزب أن يقول: «المشكلة ليست في فشلنا في إدارة الدولة، بل في الخطر الذي يهدّد جماعتنا».
وهذه ليست مجرد نظرية إذ إنّ دراسات في الإقتصاد السياسي للطائفية في لبنان تشير تحديداً الى أنّ تحويل الطائفية الى محور سياسي يرافقه حتماً تهميش للبدائل القائمة على المطالب الاجتماعية والاقتصادية، إضافة الى الزبائنية التي تحلّ محلّ الدولة اجتماعياً، ففي النظام الذي تكون فيه الخدمات مرتبطة بشبكات سياسية وطائفية يتحول المواطن من صاحب حقّ الى شخص يبحث عن خدمة من زعيم أو حزب: منحة دراسية، مساعدة طبية، وظيفة، واسطة، مساعدة مالية… كرتونة إعاشة، وهنا تصبح مصلحة الحزب في بقاء الدولة ضعيفة نسبياً وفي بقاء المواطن زبوناً عند الزعيم ومحتاجاً الى الشبكة السياسية. فالأدبيات الحديثة حول النظام الحزبي اللبناني تشير الى استمرار شبكات المحسوبية والرعاية السياسية كعامل أساسي في العمل السياسي.
وهناك ظاهرة اقتصادية لبنانية إذ أنّ الاقتصاد اللبناني لا يُناقش عادة كاختلاف بين «يمين ويسار»، ففي الديمقراطيات الطبيعية يمكن القول: حزب يريد ضرائب أعلى على الأغنياء، أو حزب يريد ضرائب أقلّ وقطاعاً خاصاً أقوى، أو حزب يريد حماية وتوسيع التعليم الرسمي، أو حزب يريد الخصخصة، أو…
في لبنان هذه الاختلافات الايديولوجية موجودة عند بعض القوى المدنية الصغيرة لكنها ليست المحور الأساسي للمنافسة بين معظم القوى الكبرى التي تعتمد في تمويلها على رجال الأعمال والمتمولين وأصحاب المصارف مقابل حماية مصالحهم، فالأحزاب في غالبيتها تُعرّف بالانتماءات الدينية أكثر من تعريفها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
كذلك إنّ الأزمات الكبرى تبتلع القضايا اليومية، فعندما يعيش البلد في حالة خوف دائم من حرب أو أزمة رئاسة أو فراغ حكومي أو خلاف حول السلاح واحتكار العنف أو توتر اقليمي، يصبح الحزب قادراً على القول لجمهوره «الأولوية الآن هي حماية وجودنا». وهكذا تصبح المدرسة والجامعة والأجور والضمان والنقل العام والصحة ولقمة الخبز والمسكن «قضايا ثانوية» في الخطاب رغم أنّها في الحقيقة هي جوهر حياة المواطن الإنسان ومحرّك نشاطه.
وتأتي الانتخابات حيث التخويف أسهل من البرنامج، فأن تقول للناخب «إذا خسرنا فإنّ جماعتك وطائفتك ستخسر نفوذها» فذلك أسهل بكثير من أن تشرح له برنامجاً من ٤٠ صفحة لإصلاح المالية العامة والتعليم والتقاعد والحماية الاجتماعية، التخويف ينتج ولاء فورياً أعمى، فالبرنامج يحتاج الى نقاش ومحاسبة وقياس نتائج وتبقى النتيجة واحدة إذ يصبح التخويف المتبادل بين «نحن» و«هم» غطاء لغياب الهموم الحياتية ولكل تقصير.
والمشكلة ليست فقط في إهمال الأحزاب للهموم المعيشية بل في النظام السياسي اللبناني الذي لا يحوّل الهمّ المعيشي الى قوة سياسية منظمة، فالمواطن اللبناني قد يكون مزارعاً يعاني من كساد موسمه، أو موظفاً يعاني من ضآلة أجره، أو استاذاً جامعياً يعاني من الدكاكين الجامعية الموجودة بكثرة، أو طالباًَ يعاني من كلفة القسط الجامعي، أو طبيباً أو مهندساً أو رجل قانون يفكر بالهجرة، أو متقاعداً يخاف على مصيره،أو مودعاً تمّ نهب جنى عمره، ولكنه عندما يدخل الى صندوق الاقتراع يعود السؤال الى: «من يمثلني»، من «يحمي منطقتي»، « من يقف في وجه خصمي»، «من يحمي الطائفة» وهنا تحديداً تكمن قوة النظام اللبناني قديمه وجديده.
وربما السؤال الأهم ليس «لماذا لا تتحدث الأحزاب عن المعيشة» بل لماذا لم تتحول المعاناة المعيشية الجماعية والعابرة للطوائف الى مشروع سياسي عابر بدوره للطوائف فيجعل من التعليم والصحة والبطالة والاقتصاد معياراً لاختيار المواطن لحزبه ولمن يمثل لقمة عيشه ومستقبله الآمن.
فالديمقراطيات الحقيقة ليست فقط في الذهاب الى صندوق الاقتراع بل أن تقول بملء حريتك وبملء فمك لمن انتخبته « ماذا فعلت بصوتي؟» اذا ارتفع سعر الخبز أو إذا انهار التعليم الرسمي، وإذا هاجر أبنائي «لقد أعطيتك صوتي فماذا فعلت به؟» أو إذا خاضت البلاد حرباً أسألك أيضاً: من قرّر؟ لماذا؟ وما الثمن؟ من سمح لك أن تخرب بيتي وتقتل أولادي؟ ولكن عندما يصبح السؤال دائماً «هل زعيمك أفضل من زعيمي» أو « هل حزبك أفضل من حزبي؟» نحن لا نعود أمام ديمقراطية طبيعية تقوم على المحاسبة، بل منافسة بين جماعات على الولاء والحماية والنفوذ، فالمواطن الذي يحصل على خدمة من الحزب أو يشعر بأنّ الزعيم يحمي جماعته أو يعتقد بأنّ سقوط هذا الحزب وهذا الزعيم سيجعل خصومه يسيطرون قد يصبح مستعداً للتغاضي عن سوء أدائه في الدولة وعن سقطاته ورهاناته، إذ عندما ينجح طرف في إقناع جمهوره بأنّ الطرف الآخر يمثل خطراً وجودياً تصبح المحاسبة مستحيلة، وفي هذه الحالة لا يعود الزعيم أو الحزب بحاجة الى أن يقول: «انتخبوني لأنّني قد أحسّن حياتكم» إذ يكفي أن يقول «انتخبوني لأنّ الآخرين أخطر مني» فيغدو عندئذ النظر الى الزعيم كجزء من الهوية لا كمسؤول فقط وتصبح العلاقة بالحزب مرتبطة بالجماعة والذاكرة الجماعية وكل انتقاد له يصبح انتقاداً للطائفة والجماعة وبدلاً من أن يسأل الناخب ماذا فعل زعيمي وحزبي في السنوات الماضية؟ يصبح السؤال: ماذا سيحدث إذا خسر حزبي وزعيمي؟ السؤال الأول يؤدي الى المحاسبة والثاني الى التعبئة والاصطفاف. وتتحول المسألة من هل نجح زعيمك؟ الى هل خصمك أسوأ منه؟
فمنطق الاصطفاف يقول: أنا معك وسأدافع عنك مهما فعلت وسأهاجم خصمك كائناً من يكون، فالمشكلة في لبنان ليست في أنّ السياسيين لا يعرفون ما يعاني منه المواطن بل أنّ النظام السياسي قد نجح في إقناع هذا المواطن بأنّ عليه أن يدافع عن السياسي بدل مطالبته بالدفاع عنه هو بالذات.
وهكذا يمنح المواطن اللبناني تحالف المافيات والميليشيات القدرة على الاستمرار.
يعتقد العديد من الدارسين أنّ وجود حزب الله وسلاحه ومغامراته الإسنادية وارتباطاته الخارجية كلها عوامل ساهمت الى حدّ كبير في تكريس هذا الغياب للقمة العيش إذ أنّ المسألة الأمنية والعسكرية التي يمثلها حزب الله أصبحت تحتلّ مساحة سياسية هائلة لا بل كل المساحة بحيث أضحت تزاحم الأسئلة المتعلقة ببناء الدولة والمجتمع والاقتصاد، فعندما تصبح الحرب هي السؤال الأساسي فلا بدّ من تراجع التنمية، فإذا كان الجزء الأكبر من الخطاب السياسي يدور حول الحرب والمقاومة واسرائيل والسلاح والتعقيدات الإقليمية يصبح من الصعب أن يحتلّ المساحة السياسية سؤال: «كيف نطوّر التعليم؟ كيف نخلق فرص عمل أو نحمي البيئة والموارد؟ أو كيف نعيد الطبقة الوسطى؟…
ليست المشكلة في أنّ هذه القضايا غير مهمة بل إنّ الأولوية السياسية تسحب منها باستمرار، وهنا تبرز مفارقة أكثر خطورة: حزب الله لا يؤثر فقط من خلال ما يقوله وما يقوم به وإنّما من خلال الموضوع الذي يرغم الآخرين الحديث عنه، وهكذا يصبح حزب الله أحد العوامل التي تحدّد أجندة النقاش السياسي في لبنان إذ يبرز سؤال: من يحمي لبنان؟ من يهدّد لبنان؟ من يمتلك القرار؟ من مع المقاومة ومن ضدّها؟ وبذلك يصبح المستقبل الاقتصادي والاجتماعي تابعاً للسؤال الأمني بدلاً من أن يكون الأمن جزءاً من مشروع وطني أوسع، وهكذا ساهم حزب الله وبقوّة في عسكرة السياسة اللبنانية وفي إبقائها أسيرة الأمن والسلاح وإعادة إعمار ما تهدّم فيما ساهمت بقية القوى في إبقاء الدولة رهينة المحاصصة والزبائنية فأفرغت السياسة من مضمونها التنموي وبقي لبنان والدولة والمستقبل الخاسر الأكبر.
وهنا يبرز سؤال أخير: لم نعُد نكتفي بغياب الهموم الحياتية عن الخطاب السياسي للأحزاب اللبنانية. بل نسأل: متى تنتقل الأحزاب من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل وماذا تريد هذه الأحزاب للبنان بعد عشر سنوات وبعد عشرين سنة وما هي رؤيتها للمستقبل اللبناني؟

