جعجع، جنبلاط وفرنجية.. ثلاثة رجال بثلاثة أساليب إعلامية

جعجع، جنبلاط وفرنجية.. ثلاثة رجال بثلاثة أساليب إعلامية

  • ١٩ حزيران ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الأول يسعى إلى الإقناع، الثاني يسعى إلى الكشف، والثالث يسعى إلى التبرير.

في زمن المنصات الرقمية، لم تعد المقابلة السياسية على التلفزيون تُقاس بعدد الأفكار التي تحتويها، بل بعدد المقاطع التي يمكن اقتطاعها منها. السرعة باتت أهم من التفصيل، والتشويق أهم من الشرح، والمفاجأة أهم من التماسك.
وسط هذا التحوّل، تكشف مقابلات السياسيين شيئاً أعمق من مواقفهم السياسية. فهي تكشف كيف يفهم كل منهم دوره، وما الذي يعتقد أنّ عليه أن يقدمه لجمهوره. ولذلك فإنّ مشاهدة مقابلات سمير جعجع ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية على سبيل المثال تشبه مشاهدة ثلاثة رجال يستخدمون المنصة نفسها، لكن كل واحد منهم يلعب لعبة مختلفة تماماً.
سمير جعجع يدخل إلى الشاشة كما يدخل استاذ جامعي إلى قاعة المحاضرات. يحمل الفكرة ذاتها التي قالها أمس وقبل سنة وقبل عشر سنوات، ثم يعيد ترتيبها وتوضيبها وتقديمها من جديد. المقابلة عنده ليست مكاناً لاكتشاف المجهول، بل منصة لإقناع الجمهور بما هو مقتنع به أصلاً.
لذلك تخرج من معظم مقابلاته وأنت تعرف بدقة ماذا سيقول قبل أن يقوله. قد تتفق معه أو تختلف، لكن المفاجأة نادرة، لّأن الهدف ليس الكشف بل الإقناع. إنّه يتعامل مع الإعلام كوسيلة لبناء القناعة أكثر مما يتعامل معه كوسيلة لنقل المعلومات أو تفجير أزمة أو إرسال رسالة. المقابلة بالنسبة إليه هي معركة سياسية هادئة يخوضها بالحجج والمنطق والتكرار المدروس. لا يأتي ليخبرك شيئاً جديداً، بل ليؤكد لك أنّ ما يقوله منذ سنوات لا يزال صحيحاً.
أما وليد جنبلاط، فيبدو وكأنّه يمارس نوعاً آخر من السياسة تماماً. لا يتصرف كزعيم يحتاج إلى شدّ عصب جمهوره، ولا كمرشح يسعى إلى زيادة شعبيته. بل على العكس، يبدو أحياناً غير مكترث أساساً لما إذا كان كلامه سيعجب أحداً أم لا.
يتحدث كما لو أنّه نسي وجود الناخبين. لا يحاول أن يقنعك بقدر ما يحاول أن يخبرك بشيء تتعرف عليه للمرة الأولى. ولذلك فإنّ الناس تشاهد مقابلات جنبلاط لا لتعرف رأيه، بل لتعرف ماذا يعرف.
في معظم الأحيان، لا تكون أهمية ما يقوله في موقفه السياسي بقدر ما تكون في المعلومات والإشارات التي يتركها بين السطور. يروي حادثة، أو يلمّح إلى لقاء، أو يستحضر واقعة من أرشيفه الطويل، فتشعر أنّ الرجل يتحدث من داخل غرفة العمليات لا من على منصة تلفزيونية. إنّه لا يحشد الأنصار بقدر ما يربك المراقبين. وبعد عشرين مقابلة له قد لا تتذكر موقفه من قضية معينة، لكنك ستتذكر الكثير من المعلومات التي لم تكن تعرفها عن البلد أو المنطقة أو التاريخ.
ثم يأتي سليمان فرنجية، صاحب المدرسة الثالثة. هذا الرجل لا يستخدم المقابلة للإقناع كما يفعل جعجع، ولا للكشف والتسريب كما يفعل جنبلاط. بل يستخدمها للدفاع عن السيرة السياسية وتأكيد الاستمرارية. يكاد المشاهد يشعر أحياناً أنّ المقابلة كلها تتحول إلى مرافعة طويلة هدفها إثبات أنّ الرجل لم يبدّل موقعه ولم ينقلب على خياراته.
يقضي جزءاً كبيراً من الحوار في شرح مواقفه السابقة وتبرير قراراته وتفسير تحالفاته والتأكيد على ثباته. وكأنّ الرسالة الأساسية التي يريد إيصالها ليست أنّه يمتلك رؤية أو حل أو فكرة، بل أنّه ما زال يقف في المكان نفسه الذي وقف فيه منذ سنوات.
ولهذا تتكرر في أحاديث فرنجية مفردات الوفاء والثبات والالتزام والصدقية الشخصية. لا يطلب من المشاهد أن يندهش، ولا أن يكتشف معلومة خفية، بل أن يقتنع بأنّه بقي على عهده مهما تبدلت الظروف وتغيرت التحالفات وانقلبت الموازين.
ومن هنا يمكن فهم الفارق العميق بين الرجال الثلاثة. جعجع يتحدث من موقع السياسي الذي يريد بناء قناعة لدى الناس. جنبلاط يتحدث من موقع السياسي الذي يريد أن يترك خلفه معلومة أو إشارة أو تحذيراً. أما فرنجية فيتحدث من موقع السياسي الذي يريد أن يثبت أنّ الزمن مرّ من حوله أكثر مما مرّ عليه.
الأول يسعى إلى الإقناع، الثاني يسعى إلى الكشف، والثالث يسعى إلى التبرير. الأول يريدك أن تتبنى رأيه، الثاني يريدك أن تعرف ما يعرفه، فيما الثالث يريدك أن تصدق أنّه لم يتغير.
ولهذا السبب تخرج من مقابلة سمير جعجع دون أن تعرف أي جديد. وتخرج من مقابلة وليد جنبلاط وأنت تحمل معلومات جديدة. وتخرج من مقابلة سليمان فرنجية وأنت تعرف، للمرة المئة، أنّه ما زال يؤكد أنّه الشخص نفسه الذي كانه دائماً.