وليد جنبلاط.. مسار من الخيارات الخاطئة
وليد جنبلاط.. مسار من الخيارات الخاطئة
من«تزحيطة» فريق بشير إلى «تزحيطة» السوريين، يتهاوى وهْم الرجل الذي صُوّر طويلاً على أنّه «مستشرف سياسي». إذ تختبئ، خلف هذا المسار، سلسلة من الحسابات الخاطئة والقرارات المرتجلة التي حكمتها الهواجس أكثر مما حكمتها الرؤية.
بنى وليد جنبلاط صورته السياسية على أنّه الرجل المتقلب الذي يرصد الحدث قبل وقوعه، والبراغماتي الذي يجيد استشراف المستقبل والاستفادة منه، والصريح في خياراته. وقد بنى له هذه الصورة مجموعة من الصحافيين المتزلفين وأصدقاء والده الذين أملوا يوماً ما أن يكون عقائدياً مثل والده، قبل أن يخيب أملهم. ومع مرور السنوات تحولت هذه الصورة، بالنسبة لكثيرين، إلى حقيقة غير قابلة للنقاش، حتى بات أي تبدل في مواقفه يُقدَّم على أنّه دليل على بعد نظر لا على تبدل في الحسابات.
لكن المدقق في التاريخ يعرف أنّ وليد جنبلاط لم يقرأ التاريخ ولم يستشرف المستقبل كما صُوِّر. فجميع الخيارات التي اتخذها كانت بدافع الخوف أو التسرع، وكانت مواقف مرتجلة وعشوائية لم تؤدِّ إلا إلى نتائج عكسية. فما يُقدَّم على أنّه حنكة سياسية لم يكن، بحسب هذا المسار، سوى انتقال دائم من موقف إلى آخر وفق موازين القوى والضغوط، لا وفق رؤية ثابتة أو مشروع سياسي واضح، ولذلك جاءت معظم محطاته السياسية بنتائج معاكسة لما أراده أو لما أعلنه.
فالقرار الكبير الذي اتخذه عند استشهاد والده لم يكن بدافع العروبة، بل خوفاً من الجزار حافظ الأسد. أما تنبؤه بدعم بشير الجميل للرئاسة من قبل الأمريكيين، فلم يكن سوى «تزحيطة» من فريق بشير، لأنّ فيليب حبيب كان يرفضه، وهو ما صبّ في مصلحة انتخاب بشير ، وهذه التزحيطة اعدها فريق بشير للعديد من القيادات عبر المونة على فيليب حبيب أن يسأل من يجتمع معهم عن بشير، فلم يقع فيها إلا البيك، لتتحول تلك المرحلة إلى مثال آخر على سوء تقدير المواقف.
وقرار حرب العلمين في بيروت لم يكن نابعاً من فائض قوة، بل كان «تزحيطة» من السوريين أدت إلى دخولهم إلى بيروت ومحاصرة نفوذه، فيما بقيت تصريحاته حول إزالة الأرزة عن العلم لعنة في تاريخه، بعدما أصبحت رمزاً لمرحلة لا تزال تثير الكثير من الجدل والانتقاد.
أما تهجير المسيحيين من الجبل وقتل مناصريه من المسيحيين الذين رفضوا أن يكونوا تحت حماية جعجع، فكان خطيئة كبرى وليس مجرد خطأ. كما أنّ تحمسه لإسقاط سوق الغرب عام ١٩٩٠ كان ضرباً من عدم الإدراك السياسي، فأوقع مقاتليه في مجزرة كان بالإمكان تجنبها لو قُرئت موازين القوى بطريقة مختلفة.
وعندما تحمس لإسقاط قرد دمشق ونزع سلاح الحزب، دفع ثمن ذلك في بيروت والجبل بخسارة جميع المعارك والاستسلام، وإحكام قبضة الحزب على البلد بعد اتفاق الدوحة، لتكون النتيجة معاكسة تماماً للأهداف التي رفعها في تلك المرحلة.
واليوم، فإنّ اعتراضه على اتفاق الإطار لا علاقة له بالاتفاق نفسه، بل بخوفه من سيطرة طريف على المؤسسة الدينية. وبذلك، يتكرر المشهد نفسه الذي رافق محطات عديدة من حياته السياسية، حيث يطغى هاجس الخوف وردة الفعل على القراءة الهادئة للمستقبل.
لهذا كله، يصعب اعتبار وليد جنبلاط رجل استشراف للمستقبل بقدر ما هو رجل يتفاعل مع الأحداث بعد وقوعها، ويتخذ خياراته تحت ضغط اللحظة أكثر مما يبنيها على قراءة بعيدة المدى. وتاريخه السياسي، وفق هذا المسار، ليس إلا سلسلة من ردات الفعل والاستعجال، طوراً بدافع الحماس، وطوراً بدافع الخوف أو التردد، و دائماً قرارات خاطئة يغلفها بإنشاء عربي و فلسفات وطنية و عروبية.
كفى وليد بك الوطن نصائح.
اتخذ، ولو مرة واحدة، خياراً صائباً بدافع مصلحة البلد.

