إنتقِلوا إلى رحمتنا
إنتقِلوا إلى رحمتنا
لا شيء، في الديناميّة السياسيّة في لبنان، واضحٌ ومنطقيّ. كلّ شيء غريبٌ فيه وعجيبٌ ومعقّد. بداياتٌ بلا نهايات. مهلٌ وولايات محدّدة في الدستور، وعصورٌ وحِقب لا تنتهي. كلّ شيء يُمدّد زمنه بلا أفق.
الولاية، في اللغة القانونيّة، هي الفترة من الزمن التي يُولّى فيها أحدهم على إدارةٍ ما في الحكم أو في الدولة. وهي تُقاس بالأعوام القليلة. أعوامٌ لا يُفترض أن تطول. إن طالت، مثل الولاية البلديّة الحاليّة، يصبح العهد وحدةَ قياسٍ أوفى. للعهد، أيضًا، مدّة صلاحيّة محدودة. وإن لم يصل إلى نهاياتٍ مقبولة، في الطول الزمنيّ، كما هو سائدٌ في لبنان، قد يضطّرنا امتداد سنواته إلى الإستعانة بتعابير من اللغة الجيولوجيّة. العصر الجوراسيّ، مثلًا، يظلّل أكثر من ثمانية عشر مليون عام، أو الطباشيري الذي يغطّي تسعة وسبعين مليون عام. ربّما، إن لم يُسعفنا ملاك الموت في لملمة أحافير المنظومة المتحجّرة في السياسة اللبنانيّة، كما يبدو في زمن زعمائنا اللامتناهي، قد تمسي الحقبة وحدةً زمنيّةً مُثلى، في القياس، لإيفاء طول عمر هؤلاء حقّهم، لغويًّا، على الأقلّ. إذ تُقاس، بالحِقب، فتراتٌ تمتدّ لمئات ملايين السنوات، مثل حِقب «الباليوزوي»، أو الحقبة البِرّية والعونيّة والجنبلاطيّة.
«لا شيء ينتهي ولا أحد يرحل»
لا شيء، في الديناميّة السياسيّة في لبنان، واضحٌ ومنطقيّ. كلّ شيء غريبٌ فيه وعجيبٌ ومعقّد. بداياتٌ بلا نهايات. مهلٌ وولايات محدّدة في الدستور، وعصورٌ وحِقب لا تنتهي. كلّ شيء يُمدّد زمنه بلا أفق. لا شيء يبلغ نقطة وصولٍ معلومة أو نهاية واضحة. الحرب الأهليّة لم تنتهِ رغم نفاد بارودها. الوصايات لم تخفت رغم خروج عسكرها. ميليشياتٌ تتخفّى ولا تختفي. الأزمة السياسيّة ممدّدةٌ، والإقتصاديّة أيضًا. الركود والفراغ ممدّدان والبلديّة ممدّدةٌ أيضًا. فالستينيّ، الذي دخل مجلسًا بلدّيًا، شارف السبعين ولم يخرج منه بعد. لا أحد ينجز أو يخطىء أو يعتذر ويتنحّى. لا شيء ينتهي ولا أحد يرحل.
«القيام بغير الواجب»
كلٌّ، في حقبة الأدغال السياسيّة في لبنان، يفعل ما ليس واجبًا فعله، والواجب أحدٌ لا يقوم به. فالسلطة التشريعيّة، مثلًا، شرّعت حين لم يجب التشريع، ومدّدت لمن لا يتوجّب لهم تمديد، وحين لم يتوجّب عليها إلّا انتخاب رئيسٍ للبلاد، لم تفعل. والتنفيذيّة، أيضًا، لم ترشُق، طيلة عصرها، كما فعلت في سحب القانون ٥١٥ عن صفحات الجريدة الرسميّة، لسهو مَديدي العمر عن سقوط حبرٍ إيجابيّ عليه، أضافته النائب حليمة القعقور. لم يحصل، حتّى في أكثر الدول وقاحةً، أن تطوّع أحدٌ في محو صفحاتٍ عن جريدةٍ رسميّةٍ كما فعل نجيب ميقاتي. أمّا السلطة القضائيّة، والتي كابر نبيه بِرّي بأنّ الضعفاء وحدهم يحتمون تحتها، فلم تحم، يومًا، إلّا الأقوياء، لا سيّما، في دهسهم الضعفاء والفقراء والقوانين.
« دوّامة نفاقٍ لا تنتهي»
نزالاتٌ وتوافق. توافقٌ وديموقراطيّة. ديموقراطيّةٌ وحِقبُ حكمٍ لا تنتهي. تنوّعٌ وطائفيّة وكفاءةٌ ومهَلٌ وتمديد. صراعات وصفقات وضحايا ومصافحات لا تنتهي. فالنريه أهبلُ والناهبُ داهية والمسالم جبانٌ والمجرم بطل. يقتلون القتيل، وفي جنازته، تأتيه العدالة عناقَ شيخٍ لكاهنٍ وصليبٍ لهلال. دوّامة نفاقٍ لا نهاية لها. لا الكلام في العدالة ينتهي ولا خطابات الإصلاح والمحاسبة والوطنيّة والإستقلال. لا شيء ينتهي.
مشرّعٌ، مثل كنعان، يسهر على عدم التشريع بما يُقلق راحة المصارف الناهبة، وآخرُ، مثل عدوان، يحرص، بتشريعه، على ألّا ينعم القضاء بجرعة استقلاليّةٍ شرعيّةٍ زائدة، فيما يشرّع مراوغ العدالة في جريمة تفجير مرفأ بيروت، على حسن الخليل، من أعالي قمّة لجنة العدل. والثلاثة حِقبُهم لا تنتهي، ولا حِقبُ مرؤوسيهم تنتهي. لا شيء ينتهي.
«الفناء خيارُ الخلاص الوحيد»
حقبة سياسيّة حجريّة جوراسيّة، في لبنان، تسرح وتمرح فيها دناصيرُ لا ترحم. يُحكى أنّ العصر الجوراسيّ انتهى باصطدام نيزكٍ عملاق بالكوكب الأزرق، وقضى على حكم الدناصير. أحيانًا، يبدو الفناء خيار الخلاص الوحيد، لكنّنا، نحن أيضًا، لا نستعجل فناءنا. ليس قبل معاصرة فناء هؤلاء.
مدِّدوا ما طاب لكم من الولايات والويلات، فالعمر ينتهي لا محالة. لا جلساتَ تمديدٍ له ولا نِصاب. وعندما تأتي الساعة، لا تتوقّعوا المرثيّاتَ منّا ولا الدموع. فقط إنتقِلوا، بسلامٍ، إلى رحمته. أو بالأحرى، إنتقِلوا إلى رحمتنا نحن.

