ضد "اليسار الممانع"
ضد "اليسار الممانع"
أستعير من عنوان كتاب فريدريك إنجلز «ضد دوهرينغ» صيغته الحاسمة، مستخدماً كلمة «ضد» بوجه ما يسمى بـ «اليسار الممانع»، وهو اليسار المتحالف مع محور الممانعة بقيادة إيران وذراعها حزب الله في لبنان.
فعندما لاحظ إنجلز خطورة كتابات دوهرينغ على الفكر الاشتراكي، نشر مؤلفه الشهير «ضد دوهرينغ»، ليس بقصد السجال الشخصي، بل دفاعاً عن المنهج والفكر الاشتراكي من وجهة نظره ونظر كارل ماركس.
لا أتبع شخصيا اتجاهاً محدداً في الفكر الاشتراكي أريد الدفاع عنه في هذا النص، ولا أدّعي امتلاك الرأي الاصح فيما يتعلق ب"اليسار"، لكن يتملكني الحرص الشديد على الدفاع عن "الفكر اليساري" بشكل عام، بوصفه موقفاً اعتراضياً على الاستبداد والاستغلال والتمييز بين البشر في هذا العالم. لذلك تجدني أستخدم هذه الـ«ضد» القاطعة في وجه "يسار ممانع" يدافع عن الاستبداد والاستغلال والتمييز بين البشر، ويهدد "الفكر اليساري" في لبنان بالإضمحلال.
يمكن باختصار شديد القول ان "الفكر اليساري" في العالم مرّ بثلاث مراحل، ركّز فيها في كل مرحلة على قضية رئيسيّة، معترضًا في البداية على الاستبداد ومن ثم على الاستغلال وحاليًّا على جميع أشكال التمييز بين البشر.
عندما اعترض مجموعة من النواب الفرنسيين بعد الثورة الفرنسية، على إعطاء حق الفيتو للملك وجلسوا الى يساره في قاعة البرلمان الفرنسي، فيما جلس الآخرون الى يمينه، بدأوا يُعرفون "باليسار". هكذا برز "اليسار" كقوّة اعتراضيّة على تسلّط الفرد- الملك، ومتمسكة بمبادىء الديمقراطية الناشئة وبالمساواة بين المواطنين.
على عكس "اليسار" تماما، تعطي "الممانعة" لفرد واحد، هو الولي الفقيه، ليس فقط الحق بالفيتو بل الحق باتخاذ القرارات عن الأمة جمعاء. لذلك لا معنى لثنائيّة "اليسار واليمين" في نظام الممانعة، وبالكاد يُسمح بالحديث عن اصلاحيين ومتشددين.
مع الثورة الصناعيّة وتوسّع الرأسماليّة، انتقل "اليسار" من التركيز على الاستبداد الى رفض الاستغلال اللاحق بالطبقة العاملة. وإذ انتشرت في حينه الأفكار الإشتراكية التي حملها اليسار، راح يُنظر الى الصراع الطبقي كوسيلة فضلى لبلوغ الاشتراكية.
على عكس "اليسار" أيضًا وأيضًا، لا تعترف "الممانعة" بالطبقات الإجتماعية وبصراعاتها بل بوحدة الأمة الاسلامية، ولا تنتقد الرأسماليّة كسبب رئيسي للاستغلال، بل تستخدمها لمراكمة ثروات الطبقة الحاكمة، من ملالي وعسكر بشكل خاص. حتى انها اضطّهدت الشيوعيين ومنعت النقابات أو حوّلتها الى أدوات تنفيذ سياسات النظام. أما هدفها فهو بناء "الجمهورية الإسلامية" التي تطبّق الشريعة الاسلاميّة بحلّتها الخمينية. وقد جاء في القرآن بشكل صريح "وقد خلقناكم طبقات"، اي ان الفروقات بين الطبقات، وإن قامت على الاستغلال، فهي من صنع الله وتعبّر عن إرادة إلهية ولا يحق للبشر من حيث المبدأ التشكيك بها كمعطى ثابت.
مع تراجع الاحزاب الشيوعيّة في المرحلة الحالية، ومعها الأفكار الاشتراكيّة، لا سيما بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي وتحوّل الصين الى رأسمالية دولة يحكمها حزب شيوعي أوحد ويُستغلّ فيها العمال في اجورهم بهدف زيادة القدرة على منافسة البلدان الإخرى، وفي ظل وجود نقابات تابعة كليا للسلطة، نمت أكثر وأكثر في العالم الاتّجاهات الإشتراكيّة - الديمقراطيّة، والتي كانت الماركسيّة تعتبرها إصلاحيّة على المستوى الإقتصادي – الاجتماعي (تدخل الدولة في الاقتصاد، تأمين الخدمات العامة في الصحة والتعليم والنقل والكهرباء، إقرار سياسة ضرائبية عادلة تعيد توزيع الثروة على المواطنين، حماية اجتماعية شاملة ومتكاملة، رعاية الفئات المهمّشة ومن بينها العمالة المهاجرة...)، مع نزعة ليبراليّة لافتة على المستوى الإجتماعي تركّزت على المساواة بين البشر وحقوق الإنسان والحريات الجماعيّة والشخصيّة (حقوق النساء، حقوق المثليين،...).
على عكس "اليسار" أيضًا وأيضًا وأيضًا، لا تعترف "الممانعة" بحقوق الإنسان كما وردت في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان وتضع الحق الإلهي قبل الحق الإنساني الذي يجب ان يكون في خدمته وبما اوصت به الشريعة الدينية، كما انها تعترض على المساواة بين المرأة والرجل وتضطّهد المثليين.
من عادة "اليسار الممانع" ان يردّ على جميع هذه المقارنات وعلى غيرها، بانه لم يتخلَّ عن "يساريته" لكنّه يدعم حزب الله وإيران تحديدًا، لأنهما يواجهان إسرائيل وأميركا، أي "الإمبرياليّة وأداتها في المنطقة"، وهو، اي "اليسار الممانع"، يقف في جميع الأحوال الى جانب "كل من يقاوم إسرائيل".
الترجمة العملية لهذا الموقف "اليساري الممانع" هو ضرورة دعم حزب الله في حربه مع إسرائيل حتى ولو كان هو من افتعلها، وحتى لو لم تكن نتيجتها ولن تكون، في ظل الموازين الحالية والظروف المحيطة، إلاّ توسّع الاحتلال على أرض الجنوب. وعليه لا يبالي هذا اليسار، "المادي" من حيث المبدأ، في مقاربته للحياة وللمجتمع، بأي شيء مادي بدءًا بالحياة البشرية وصولاً الى المنازل والمزارع والمؤسّسات الإقتصاديّة والأشغال ومصير العمال. وهو في الاساس، لا يحلّل سلوك حزب الله من منظور مادي، أي بصفته حزب مذهبي- ديني يتلقّى الأوامر والدعم المادي من إيران وبالتالي من المفترض ان ياصرف انطلاقا من هذه المحددات، بل يشطح الى تحليلات، كان يسمّيها ماركس "مثالية" وغير واقعية، ترى في الحزب "مقاومة" بوجه الاحتلال الإسرائيلي والامبريالية الاميركية.
وإذا ذهبنا الى أقصى حدود التفاؤل وافترضنا ان حزب الله سينجح في تحرير الأرض، ماذا ستكون النتيجة على مستوى "الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة" التي لا يتوقف "اليسار الممانع" عن ترداد انه يسعى الى بنائها؟ لا حاجة للتنبؤ، فقد نجح حزب الله في السابق في تحرير الجنوب، لكنّه بعد ذلك ارتدّ على الداخل اللبناني كقوّة رجعية عطّلت الممارسة الديمقراطية وساهمت في تطييف النقابات وقمعت الآراء الحرة ووقفت في وجه أهم تيار تغييري عرفه لبنان الحديث، ألا وهو انتفاضة 17 تشرين. ولا حاجة للتذكير ان عقيدته هي ضد العلمانية بالمطلق.
فكيف سيواجه "اليسار الممانع" هذه الامبريالية، باقتصاد منهار وديمقراطية معطّلة وشعب منقسم مذهبيا ونقابات مدجّنة، الا اذا كان قد تبنى نظرة محور الممانعة الى الامبريالية ولم يعد يرى فيها غير شيطانٍ اكبر وجب رجمه بالصواريخ بدل الحجارة؟
لا يكتفي "اليسار الممانع" بدعم حزب الله في مواجهة اسرائيل بل يؤازره في عدائه للدولة، وشرط اشتغال مؤسسات هذه الدولة حصرية السلاح بيدها. وعندما تحاججه حول موقفه من "إعادة بناء الدولة" يسألك: "أي دولة ومن يبنيها؟" مشككا باطراف السلطة الحالية. والسؤلان يفترضان ان "إعادة بناء الدولة" سيبدأ من فراغ إجتماعي – سياسي وليس إنطلاقًا من المؤسّسات الدستورية الحالية ومن آليات إشتغالها، الكفيلة وحدها بإعادة البناء هذه. وهذا موقف "ما ورائي" بخلفيته، وليس ماديًّا موضوعيًّا يستند الى الواقع في تركيبته الإجتماعيّة – الإقتصاديّة – السياسيّة. إلاّ إذا كان المقصود "إعادة بناء الدولة" لكن بعد "الثورة" على النظام القائم. فأي ثورة ستكون، في غياب الحامل الإجتماعي – السياسي لهذه الثورة "الديمقراطية -العلمانية"، وبوجود سلاح "الثورة" في أيدي طرف ضد الدولة في تكوينه، ومعادٍ للديمقراطية وللعلمانية؟
من خلال عبثه الايديولوجي والسلوكي بموضوع "إعادة بناء الدولة" ودعمه لطرف يمنع بناءها بقوة السلاح، يساهم "اليسار الممانع" في الغاء الشروط التاريخية ل"إعادة بناء اليسار" نفسه. فليس صدفة ان يكون سقوط اليسار قد ترافق مع سقوط الدولة، التي عمل مع غيره على إسقاطها بعد حرب ١٩٧٥.

