التجربة العراقية.. كيف يمكن أن يستفيد لبنان؟
التجربة العراقية.. كيف يمكن أن يستفيد لبنان؟
سلاح واحد، قرار واحد، وقانون واحد. وما يفعله العراق اليوم قد يكون تذكيراً للبنانيين بأنّ استعادة الدولة ليست حلماً مستحيلاً
في الشرق الأوسط، لا تنتقل التجارب السياسية بحذافيرها من دولة إلى أخرى، فلكل بلد خصوصيته وتوازناته وتعقيداته. لكن هذا لا يعني أنّ التجارب الناجحة لا تستحق التأمل، أو أنّ الدروس لا يمكن استخلاصها. وما يجري اليوم في العراق يستحق أن يراقبه اللبنانيون بدقة، لا لأنّ العراق أصبح دولة مثالية، بل لأنّه بدأ يرسل إشارات واضحة إلى أنّ الدولة قررت استعادة بعض ما فقدته من هيبة.
ففي الأشهر الأخيرة، اتخذت بغداد سلسلة خطوات متوازية: حكومة جديدة تحاول تثبيت سلطتها، حملة قضائية واسعة على ملفات الفساد، ومسار سياسي وأمني يدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة وتقليص الدور العسكري للفصائل المسلحة، مع انتقال بعضها إلى العمل السياسي الصرف. قد ينجح هذا المسار أو قد يتعثر، لكنه على الأقل يمثل قراراً سيادياً بمحاولة إعادة تعريف علاقة الدولة بالقوة والسلاح والمال العام.
أما في لبنان، فما زلنا ندور في الحلقة ذاتها. الحديث عن حصرية السلاح يتحول إلى أزمة وطنية، ومكافحة الفساد تتحول إلى مادة للسجال الإعلامي، فيما يبقى النفوذ الخارجي جزءاً من المعادلة الداخلية بدل أن يكون استثناء عليها.
من هنا، تبدو التجربة العراقية جديرة بالاهتمام. فإذا كان العراق، بكل ما شهده من حروب واحتلال وانقسامات طائفية ونفوذ إيراني واسع، يحاول اليوم إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، فلماذا يبدو لبنان وكأنّه عاجز حتى عن بدء هذا النقاش بصورة عملية؟
السلطات اللبنانية مدعوة إلى الاستفادة من هذه التجربة، ليس عبر نسخها حرفياً، بل عبر استلهام فلسفتها: لا دولة قوية مع تعدد مراكز القرار الأمني، ولا اقتصاد يمكن إنقاذه في ظل منظومات فساد محمية بالسلاح والسياسة، ولا سيادة حقيقية ما دام القرار الوطني يتأثر بحسابات قوى إقليمية.
وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان ليس شعاراً سياسياً بقدر ما هو جزء من إعادة بناء الدولة اللبنانية المستقلة، تماماً كما أنّ أي نفوذ خارجي، مهما كان مصدره، يفترض أن يخضع لمنطق المصلحة اللبنانية أولاً.
ويخشى كثيرون دائماً من «ردة الفعل»، وكأنّ أي محاولة لتعزيز سلطة الدولة ستقود حتماً إلى الفوضى. لكن التجارب تثبت أنّ الزخم السياسي، عندما يتوافر له القرار، والأدوات، والتوقيت المناسب، يصبح قوة يصعب إيقافها. الدولة عندما تتحرك بثقة، وتستند إلى شرعية داخلية ودعم خارجي مناسب، تفرض إيقاعها تدريجياً، لا العكس.
صحيح أنّ الطريق في العراق لا يزال طويلاً، وأنّ النتائج النهائية لم تُحسم بعد، لكن مجرد انتقال النقاش من كيفية إدارة نفوذ الفصائل إلى كيفية سحب سلاحها، ومن التعايش مع الفساد إلى ملاحقته، هو تطور يستحق المتابعة.
لبنان لا يحتاج إلى اختراع حلول جديدة. يكفيه أن يمتلك الإرادة السياسية لتطبيق المبادئ التي تقوم عليها أي دولة طبيعية: سلاح واحد، قرار واحد، وقانون واحد. وما يفعله العراق اليوم قد يكون تذكيراً للبنانيين بأنّ استعادة الدولة ليست حلماً مستحيلاً، بل قراراً يبدأ عندما تتقدم هيبة المؤسسات على هيبة القوى التي تنافسها.

