الأحزاب المسيحية والتفاهات الصغيرة

الأحزاب المسيحية والتفاهات الصغيرة

  • ٢٠ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الأمم لا تخسر فقط عندما يهزمها خصومها. بل تخسر أيضاً عندما تقنع نفسها بأنّ التاريخ يستطيع أن ينتظر حتى تنتهي من معاركها الصغيرة.

إذا أردت أن تعرف ماذا تفعل القيادات المسيحية في واحدة من أكثر المراحل خطورة منذ سنوات، فلا تبحث عن استراتيجية. ابحث عن منشور على فايسبوك. أو عن مقابلة تلفزيونية. أو عن سجال بين حزبين مسيحيين. هناك ستجد كل شيء... إلا السياسة الحقيقية.

المنطقة تغلي. سوريا تعيد ترتيب أوراقها، فيما الإشارات كلها تقول أنّها ستدخل قريباً إلى لبنان. وهناك من يتحدث عن تغييرات كبرى قد تطال الإقليم كله. الجميع يقرأ المرحلة، إلا القوى المسيحية التي تبدو وكأنها قررت أخذ إجازة من التاريخ.

 

إسأل اليوم: ما هي الخطة المسيحية إذا تبدلت الوقائع ودخلت سوريا؟ لا جواب. ما هي الرؤية إذا دخل لبنان مرحلة أمنية جديدة؟ لا جواب. ما هي آلية التنسيق بين الأحزاب المسيحية؟ لا جواب. هل هناك غرفة تفكير مشتركة؟ لجنة أزمة؟ ورقة سياسية؟ تصور للمرحلة المقبلة؟ طبعاً لا شيء.

لكن لا تقلقوا... النشاط السياسي مزدهر!

 

وديع عقل يهاجم وزارة الطاقة. والقوات اللبنانية تتفرغ للدفاع عن وزير الطاقة. معركة كونية تدور على صفحات التواصل الاجتماعي. وكأن الكهرباء هي التهديد الوجودي الذي يواجه المسيحيين.

وفي زاوية أخرى، يخوض الجمهور المسيحي نقاشاً لا يقل عظمة. الفدرالية أم اللامركزية الإدارية؟ التقسيم أم الكونفدرالية؟ عشرات الساعات من الجدل. آلاف التعليقات. مئات الخبراء الدستوريين الذين ولدوا فجأة على إكس. وكأنّ تعديل النظام اللبناني قرار ينتظر تصويتاً إلكترونياً، لا توازناً إقليمياً ودولياً غير متوفر.

الأجمل أنّ الجميع يناقش مشاريع يعرف مسبقاً أنّها غير قابلة للتحقق. لكنها تمنح شعوراً جميلاً بالانتصار الافتراضي.

 

أما جبران باسيل، فيبدو منشغلاً بتنظيم أجواء كأس العالم في البترون. لا بأس. كرة القدم ممتعة. لكن التاريخ لا يتوقف لأنّ هناك مباراة نهائية على قارة أخرى. أما سليمان فرنجية، فيبدو أكثر اهتماماً برحلات صيد الخنازير. هواية مشروعة طبعاً. لكن اختيار التوقيت يكاد يكون قصة بحد ذاته.

أما إلياس بو صعب، فقد أصبح منسجماً مع خطاب حركة أمل إلى درجة أن كثيرين لم يعودوا يلاحظون الفارق.

 

وفي الوسط، تتبادل الأحزاب المسيحية الاتهامات. هذا يتهم ذاك بالخيانة. وذاك يذكّر الأول بالحرب. والثالث ينبش أرشيف الثمانينيات. والرابع يعيد فتح ملفات عمرها أربعون عاماً. وكأنّ المشكلة الحقيقية ليست ما قد يحدث اليوم وغداً، بل بما حدث قبل نصف قرن.

الأخطر من كل ذلك ليس الانقسام. فالسياسة تقوم على الاختلاف. الأخطر هو غياب الأولويات. لا أحد يناقش كيف يمكن للمسيحيين أن يتحولوا إلى قوة اقتراح وطنية. لا أحد يناقش كيف يستعيدون دورهم في صناعة القرار. لا أحد يناقش كيف يبنون شراكات داخلية جديدة. لا أحد يناقش كيف يتعاملون مع التحولات السورية، أو مع تبدل موازين القوى، أو مع مستقبل سلاح حزب الله، أو مع إعادة رسم النفوذ في المنطقة.

 

كل ما نراه هو إدارة يومية للتفاصيل، وسجالات حزبية، ومنافسة تافهة على تسجيل النقاط الصغيرة، وكأن السياسة مباراة ملاكمة بين الأحزاب المسيحية، لا محاولة لإنقاذ موقع المسيحيين ودورهم في لبنان.

 

إنّها بالفعل نسخة لبنانية من حكاية القسطنطينية. سواء صحت الرواية أم لا، فإن معناها بليغ. كانت الجيوش على أبواب المدينة، فيما كان أهلها يتجادلون حول جنس الملائكة. واليوم، قد تكون المنطقة كلها على أبواب مرحلة جديدة، فيما القيادات المسيحية تتجادل حول وزارة، وتتقاتل على منشور، وتناقش الفدرالية وكأنّها ستولد الأحد المقبل، وتنظم نشاطات كأس العالم، وتخرج إلى الصيد.

 

 

ثم يسألون، بعد سنوات، لماذا تراجع الدور المسيحي. الجواب بسيط. لأنّ الأمم لا تخسر فقط عندما يهزمها خصومها. بل تخسر أيضاً عندما تقنع نفسها بأنّ التاريخ يستطيع أن ينتظر حتى تنتهي من معاركها الصغيرة.