هل تعود خطوط سوريا الحمر إلى لبنان؟
هل تعود خطوط سوريا الحمر إلى لبنان؟
الخطر الأكبر ربما لا يكمن في حدود التدخل نفسه، بل في نتائجه السياسية داخل لبنان. فالقوة التي تدخل بهدف إضعاف حزب الله قد تنتهي إلى منحه ما خسره خلال السنوات الأخيرة: الشرعية.
ثمة خطأ يتكرر دائماً عندما يتحدث اللبنانيون عن التدخلات الخارجية. فهم يتخيلون أنّ الجيوش تدخل البلدان كما تدخل العواصف: فجأة، وبلا حسابات، وبلا شروط، وبلا حدود. لكن الشرق الأوسط لا يعمل بهذه الطريقة.
فالقوى الإقليمية لا تدخل الحروب وحدها، ولا تتحرك في الفراغ، ولا تعبر الحدود من دون خرائط غير معلنة ترسم لها حدود الحركة وحدود الممنوع. وحتى الجيوش التي تبدو منتصرة تتحرك أحياناً داخل أقفاص سياسية لا يراها أحد.
لهذا السبب، فإنّ السؤال الحقيقي بشأن احتمال دخول سوريا الجديدة إلى لبنان ليس: هل يمكن أن يحصل ذلك؟ بل، عندما يحصل، فأين ستكون الخطوط الحمر؟
قد يرفض الرئيس أحمد الشرع هذا الطرح اليوم. وقد تؤكد دمشق أنّ أولوياتها داخلية. لكن التجارب الإقليمية تقول إنّ الدول غالباً ما تعيد ترتيب أولوياتها وفق موازين القوى والضغوط والمصالح. وقد يكتشف الرجل الذي وصل إلى السلطة بوصفه قائداً لسوريا الجديدة أنّه لن يتمكن من حكم سوريا إن لم يلبي رغبات الرئيس الأميركي.
عام ١٩٧٦ دخل الجيش السوري إلى لبنان، لكن دخوله لم يكن قراراً سورياً خالصاً ولا اجتياحاً عسكرياً مفتوحاً. فقد جرى ضمن تفاهمات إقليمية ودولية معقدة، تناولها الباحث نبيل خليفة في كتاباته حول ما عُرف بنظرية الخطوط الحمر.
كانت المعادلة يومها واضحة: تستطيع سوريا الدخول إلى لبنان، لكن ضمن شروط. يبقى الجيش السوري بعيداً عن الحدود الإسرائيلية بما يقارب الأربعين كيلومتراً. لا تُنشر صواريخ أرض - جو سورية داخل لبنان. لا تدخل الطائرات الحربية السورية الأجواء اللبنانية. وتبقى حدود الدور السوري مرسومة ضمن توازنات إقليمية دقيقة.
حتى إنّ دمشق نفسها لم تخرق هذه القواعد إلا في مناسبتين استثنائيتين: الأولى خلال حرب زحلة عام ١٩٨١، والثانية أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ عندما دخل الطيران السوري المعركة بصورة مباشرة.
بمعنى آخر، لم يكن السؤال عام ١٩٧٦: هل تدخل سوريا؟ بل: تحت أي شروط تدخل؟ وربما يعود السؤال نفسه اليوم. فإذا كانت الضغوط الأمريكية حقيقية، وإذا كان دونالد ترامب قد طرح الفكرة أكثر من مرة، فإنّ المسألة قد لا تصبح مرتبطة بمبدأ التدخل نفسه، بل بحجمه وحدوده ووظيفته. هل يكون تدخلاً أمنياً؟ أم انتشاراً محدوداً؟ أم دوراً غير مباشر؟ وأين تبدأ الحدود المسموح بها وأين تنتهي؟
لكن لبنان اليوم ليس لبنان عام ١٩٧٦. فحزب الله ليس منظمة التحرير الفلسطينية. وسوريا الجديدة ليست نظام حافظ الأسد. والطائفة الشيعية ليست القوى المسيحية في تلك المرحلة. كما أنّ إسرائيل نفسها لم تعد تنظر إلى الجبهة الشمالية بالطريقة ذاتها. ولهذا، فإنّ أي دور سوري محتمل لن يكون نسخة عن الماضي، بل ربما نسخة مصغرة عنه.
لكن الخطر الأكبر ربما لا يكمن في حدود التدخل نفسه، بل في نتائجه السياسية داخل لبنان. فالقوة التي تدخل بهدف إضعاف حزب الله قد تنتهي إلى منحه ما خسره خلال السنوات الأخيرة: الشرعية.
فالحزب الذي وُجهت إليه انتقادات واسعة بسبب سلاحه ودوره الإقليمي قد يجد نفسه مجدداً في موقع المدافع عن لبنان في مواجهة دخول قوة أجنبية جديدة. وفي بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بالوصايات والتدخلات الخارجية، قد يتحول النقاش سريعاً من سلاح الحزب إلى مسألة السيادة والتدخل الخارجي.
وهكذا، قد يكتشف الجميع أنّ أي دخول سوري، مهما كانت أهدافه المعلنة، لا يضعف حزب الله بالضرورة، بل قد يعيد إليه جزءاً من الشرعية الشعبية والسياسية التي تآكلت خلال السنوات الماضية، ويمنحه مرة أخرى الدور الذي لطالما أتقن أداءه: دور المقاومة في مواجهة قوة آتية من خارج الحدود.
وربما تكمن المفارقة هنا تحديداً. فالذين يعتقدون أنّ تدخلاً سورياً يمكن أن ينهي مشكلة حزب الله قد يجدون أنفسهم يعيدون إنتاج الظروف التي صنعته. والسلطة السورية التي تسعى إلى تثبيت شرعيتها داخل دمشق قد تكتشف أنّ الطريق إلى لبنان أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الخرائط.
فالشرق الأوسط يسمح أحياناً للجيوش بالتحرك، لكنه نادراً ما يسمح لها بالتحرك بحرية. وبين خطوط الأمس الحمر وخطوط الغد المجهولة، يبقى لبنان البلد الذي تدخل إليه القوى الخارجية كثيراً، لكنها لا تخرج منه كما خططت.

