سليمان فرنجية وثمن التحالف
سليمان فرنجية وثمن التحالف
في السياسة كما في الحياة، لكل خيار ثمن. وسليمان فرنجية، الذي بقي وفياً لتحالفاته، يدفع اليوم جزءاً من هذا الثمن، في سياق أبعد من الحسابات المحلية.
منذ اللحظة الأولى لإعلان العقوبات الأميركية على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، انطلقت موجة من التفسيرات والتبريرات. بعض المحللين حاولوا تصوير القرار على أنّه مجرد تصفية حسابات سياسية داخلية، فيما ذهب آخرون إلى تحميل المسؤولية لخصوم فرنجية، مرة عبر الحديث عن ضغوط مارسها ميشال معوض، ومرة عبر اتهام رئيس الحكومة نواف سلام أو أطراف لبنانية أخرى بالسعي إلى الانتقام السياسي.
لكن بعيداً عن الضجيج الإعلامي، يبقى السؤال الأساسي: هل ما جرى مفاجئ فعلاً؟
سليمان فرنجية ليس شخصية سياسية مترددة في خياراتها. فهو إبن عائلة سياسية ارتبط إسمها لعقود بالنظام السوري، وصديق شخصي لبشار الأسد، كما أنّه من أكثر الحلفاء التصاقاً بحزب الله منذ سنوات طويلة. وخلال مختلف المحطات السياسية الكبرى أثبت أنّه جزء أساسي من هذا المحور، حتى عندما انعكس ذلك سلباً على طموحاته الشخصية، بما فيها الانتخابات الرئاسية التي تعرض خلالها لما اعتبره أنصاره تخلياً من حلفائه، لكنه بقي متمسكاً بتحالفه واضعاً مصلحة المحور فوق أي اعتبار آخر.
كما ارتبطت مسيرته السياسية بالنفوذ السوري في لبنان، فخاض معاركه السياسية مستنداً إلى قوة دمشق الأمنية والسياسية، ثم انتقل بعد تراجع النفوذ السوري إلى التحالف الوثيق مع حزب الله الذي تحول إلى الحليف والضامن الأساسي له. ولم يحاول يوماً إخفاء هذه العلاقة أو التنصل منها، بل دافع عنها علناً في أصعب الظروف.
أما العقوبات الأميركية فلا تصدر عادة بقرار عشوائي أو نتيجة خلاف سياسي عابر. فوزارة الخزانة الأميركية تعتمد على ملفات وتحقيقات ووثائق قبل اتخاذ مثل هذه الإجراءات. ومن هنا، فإنّ اختزال العقوبات كاستجابة لحسابات محلية لبنانية، يقدّم قراءة مُبسّطة تجهل طبيعتها، إذ إن العقوبات هي أداة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية تستخدم ضمن منظومة معقّدة من التقدير الاستراتيجي، تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، والضغط الدبلوماسي، وإدارة النفوذ الإقليمي. فقرارات العقوبات لا تُبنى عادة على مزاج سياسي لحظي أو توازنات داخل بلد صغير، بل على تقييم تراكمي لسلوكيات الفاعلين، ومدى ارتباطهم بشبكات نفوذ أو سياسات تعتبرها واشنطن مُهدِّدة لمصالحها أو لاستقرار بيئات إقليمية أوسع.
وقد يختلف كثيرون مع المعايير الأميركية أو يرفضونها، لكن من الصعب الادعاء أنّ علاقة فرنجية بالنظام السوري أو بحزب الله كانت سراً أو موضع خلاف.
لذلك تبدو العقوبات بالنسبة إلى من يتابع مسيرة الرجل السياسية نتيجة منطقية لمسار اختاره بنفسه والتزم به طوال عقود. فمن يقرر التموضع داخل محور يخضع لعقوبات أميركية منذ سنوات طويلة، ولا يمكنه أن يتعامل مع الأمر وكأنّه مفاجأة عندما تطاله هذه العقوبات شخصياً.
المفارقة أنّ بعض المدافعين عن فرنجية يحاولون تصويره كضحية، في الوقت الذي لم يتبرأ فيه فرنجية يوماً من خياراته ولم يحاول تقديم نفسه على أنّه في موقع الوسط أوالحياد. وإذا كان قد اختار الوقوف إلى جانب حلفائه في السراء والضراء، فمن الطبيعي أن يتحمل معهم نتائج هذا الخيار عندما تتبدل الموازين وتشتد الضغوط.
في السياسة كما في الحياة، لكل خيار ثمن. وسليمان فرنجية، الذي بقي وفياً لتحالفاته حتى النهاية، يدفع اليوم جزءاً من هذا الثمن. أما الرسالة الأوسع فهي للذين يعتقدون أنّ السنوات الماضية مرت من دون حساب أو توثيق، خصوصاً مع الحديث المتزايد عن لوائح إضافية قد تطال شخصيات وضباطاً ومسؤولين آخرين في المرحلة المقبلة.
قد يختلف اللبنانيون حول العقوبات، وقد يختلفون حول فرنجية نفسه، لكن ما يصعب إنكاره هو أنّ الرجل لم يصل إلى هذه اللحظة بالصدفة، بل عبر طريق اختاره بنفسه وسار فيه حتى نهايته. وعليه من غير المنطقي تضييع البوصلة تحت وقع المفاجأة والضغط
في تحليلات عبثية بناء على تجاذبات محلية.

