الموت مقابل مجد التاريخ

الموت مقابل مجد التاريخ

  • ٢١ آذار ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

التاريخ لا يخاف على أطفاله ولا يرى منزله يتهدّم وزيتونه يحترق. من هنا يبدأ السؤال الأخلاقي: هل يجوز أن يطلب من مجتمع كامل أن يتحمل أعباء الخراب باسم فكرة كبرى عن التاريخ والمصير وإثبات الوجود؟

في زمن الحرب تمتليء اللغة بشعارات مثيرة وبكلمات كبيرة: التاريخ، المجد، المصير، الرسالة، العشق الإلهي، الجنة، المعركة الوجودية..

تبدو هذه الكلمات قادرة على منح الحروب معنى يتجاوز اللحظة، وكأنّ ما يجري ليس مجرّد صراع سياسي أو عسكري بل فصل من قصة كبرى سيحكم عليها التاريخ لاحقاً. غير أنّ هذه اللغة على قوتها الرمزية تطرح سؤالاً أخلاقياً لا يمكن تجاهله: ماذا يحدث عندما يصبح التاريخ أثقل من الإنسان نفسه، حين يعلن الشيخ نعيم قاسم أنّه «يقاتل للتاريخ» بالرغم من إقراره باختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، قد يبدو الأمر في الظاهر تعبيراً عن شجاعة أو إلتزام  بقضية يعتقد أنّها عادلة، لكن هذا التعبير يحمل في داخله مفارقة عميقة وعجيبة، فالتاريخ مهما كان مهماً في الذاكرة الجماعية فإنّه لا يعيش الألم الذي يعيشه الناس في حاضرهم.

 

التاريخ لا يخاف على أطفاله ولا يرى منزله يتهدّم وزيتونه وتبغه يحترق ولا يشعر بالقلق على غموض غده، البشر وحدهم يفعلون ذلك. من هنا يبدأ السؤال الأخلاقي: هل يجوز أن يطلب من مجتمع كامل أن يتحمل أعباء حرب وخراب وتهجير وإذلال باسم فكرة كبرى عن التاريخ والمصير وإثبات الوجود؟ وكيف يمكن لقائد أو حزب مهما علا شأنه تبرير هذه المقتلة المذبحة وهذه النكبة التغريبة؟

 

القضايا الكبرى كالدفاع عن الأرض ومواجهة توسّع العدو أو الكرامة والعزّة أو الحرية والسيادة والصبر، هي في أصلها إنسانية لكن قيمتها تنبع من قدرتها على حماية المجتمع وتمكينه من العيش بكرامة، لكن هذه القضايا قد تنقلب على معناها عندما تتحوّل إلى هدف قائم بذاته منفصل عن حياة الناس ومعاناتهم الفعلية، عند تلك اللحظة يصبح المجتمع الذي يفترض أن تكون القضية من أجله هو نفسه الذي يدفع الثمن الأكبر لاستمرارها.

 

وهكذا فالذين يستخدمون المجتمع والبلاد كوقود لمغامراتهم التاريخية والإيديولوجية لا يرفعون قضية نبيلة بل يستهينون بالناس الى حدّ الإستهتار ويسخفون معاناتهم في سردياتهم ويرتكبون خطيئة مميتة بحقّ كل من يعيش ويلات الحرب، فالتاريخ لا يفترش الرصيف، ولا يأوي الى صقيع غرفة وملعب في مدرسة ولا يسكن في خيمة على طريق عام ولا يقف في طابور الإنتظار ولا يستجدي طعاماً أو شراباً أو مأوى.

 

يعلن الشيخ نعيم قاسم بأنّه «يقاتل للتاريخ» وكأنّ حياة البشر مجرد تفاصيل يمكن التضحية بها، كلماته الكبيرة عن المصير والمجد والكرامة والتصدّي للأطماع الإسرائيلية لا تسدّ جوعاً ولا تكسو عرياً ولا تهدىء من هلع أم أو طفل ولا تعيد بناء البيوت التي سويت بوحشية بالأرض، ولا تعيد نبض الحياة الى القرى والبلدات والمدن والحقول التي أخلاها أهلها، إذ ينام اللبنانيون ويصحون على هتافات «هيهات من الذّلة» فأي ذلّة أكبر من مشهد الناس العالقين في سياراتهم والهاربين والهائمين على وجوههم ولا يحملون من جنى العمر سوى فراش إسفنج أو صرّة ثياب وذكرى أرض محروقة.

 

مسؤولية القيادة الحقيقية تكمن في حماية الناس لا في استخدامهم كأدوات في صراع تاريخي وديني. القضية العادلة تقوي المجتمع ولا تفتته ولا تحوّل الناس الى رهائن ووقوداً في مغامرات إيديولوجية لا أفق لها. أي مجد سياسي يبنى على دماء الأبرياء، ليس مجداً بل وصمة عار أخلاقي وتاريخي، فكل دم يُراق باسم «التاريخ» هو شهادة على الإستهتار بالحياة، فكيف يتحجج الشيخ نعيم بالله وبالآخرة لتبرير القتل والخراب؟ وكيف يحوّل حياة اللبنانيين الى ثمن يُدفع في مغامرة عنف يطلق عليها إسم «المجد للتاريخ» و«الواجب الديني» و«العشق الإلهي»، وحين ترفع القرارات السياسية الى مستوى القداسة أو المصير الوجودي التاريخي يصبح من السهل تبرير أثمان بشرية هائلة باسم هدف أعلى.

 

فالمسؤولية الأخلاقية لأي قيادة أياً كانت قضيتها أو قناعاتها هي أن تُبقي حياة الناس ومعاناتهم في قلب القرار، فالقضية العادلة لا يمكن أن تنفصل عن المجتمع الذي تحمل إسمه، ولا يمكن أن تتحوّل الى عبء يهدّد استقراره وسلامه الداخلي. ويبقى السؤال الذي يجب ألا يُمنع أو يُقمع: أي قائد مهما كانت قضيته نبيلة في نظره، هل يملك الحقّ أن يضع شعباً كاملاً أمام حرب ودمار لم يختَره بإرادته؟

 

إنّ القضية الموثوق بعدالتها لا تخاف هذا السؤال بل ربما تكون الإجابة الصادقة عليه هي من يحدّد الفرق بين نضال يحمي المجتمع ومسار قد ينتهي بإرهاقه وتقسيمه واستجلاب الفوضى والخراب والإحتلال. فالقائد الذي يظن أنّه يستطيع تحقيق الخلود على حساب الناس ينسى أنّ كل بيت مهدّم وكل روح ضائعة هي شهادة على فشله السياسي والأخلاقي.

 

لا للتاريخ الذي يقتل البشر ولا للمجد الذي يطحن الأبرياء، فكيف يجرؤ أي قائد على القول إنّه يقاتل للتاريخ بينما الناس يخلون بيوتهم ويموتون من حوله؟ وكيف باستطاعته تحويل المدن والقرى الى أرقام  في عدَّاد القصف والتدمير؟ كذلك القضايا العادلة لا تخاف من السؤال ولا تحتاج الى إسكات المجتمع لتستمر، فالربط بالدين يجعل القرار السياسي خارج النقاش والمساءلة، وهل يملك أي حزب الحقّ في أن يقرّر مصير بلد كامل بمعزل عن إرادة الدولة والمجتمع؟

 

كما أنّ المسؤولية الأخلاقية لأي قيادة مهما كانت توجهاتها هي أن توازن بين القيم التي يتمّ الإعلان بالدفاع عنها وبين كلفة القرارات التي يتعيّن على المجتمع أن يدفعها، فالقضية العادلة إذا وجدت لا تصبح أكثر عدلاً كلما زادت التضحيات البشرية، ولا يتحوّل الألم الى فضيلة لمجرّد أنّه يُقدّم باسم التاريخ، فما بالك بقضية مرتبطة باستتباع للخارج وتأتي ثأراً لمقتل ولي الفقيه؟

 

فالمشكلة لا تكمن في الحرب ذاتها بل في اللغة التي تُستخدم لتبريرها وذلك عندما يربط القرار السياسي بالمصير أو بالغيب «إرتقى سعيداً» أو بلحظة تاريخية لا يمكن التراجع عنها بحيث يصبح النقاش حوله أكثر صعوبة، وقد ينظر الى الإعتراض وكأنّه عمالة أو ضعف بدل أن يُعتبر حقاً طبيعياً لمجتمع يتحمّل تبعات هذا القرار، وقد حذرت حنة أرندت بأنّ أخطر ما في السياسة هو تحويلها الى قضية مطلقة لا تقبل النقاش، إذ عندما ترفع القرارات الى مرتبة القداسة والقدر والتاريخ يصبح أي اعتراض خيانة ويفقد المجتمع الحقّ في حماية نفسه وهذا ليس مجرد كلام نظري، هذه أفعال تقلب حياة البشر رأساً على عقب، فالناس العاديون هم من يعيشون الحرب، والتاريخ سيكتب ما جرى ولكنه لن يعيش نتائجه، فالذين سيعيشون الويلات هم الناس الذين وجدوا أنفسهم في قلب هذه المعادلة التي تعلن موت السياسة وإن أعلن الشيخ نعيم قاسم بأنّهم «أقوياء في ثلاثة أمور: إيماننا بالله ونصرتنا للحقّ وبالعدّة التي أعددناها».