عيد العمال في لبنان.. حين تلتهم الأزمة الأجور ويُدفَع العامل إلى حافة البقاء

عيد العمال في لبنان.. حين تلتهم الأزمة الأجور ويُدفَع العامل إلى حافة البقاء

  • ٠١ أيار ٢٠٢٦
  • كلاريتا شمعون

الإنتقال من الاكتفاء النسبي إلى حالة العجز البنيوي واعتماد استراتيجيات تكيّف قسرية، أبرزها العمل في أكثر من وظيفة.

يحلّ عيد العمال العالمي في لبنان هذا العام في سياق اقتصادي يُعدّ من بين الأشد حدّة في تاريخه الحديث، حيث انعكست تداعيات الانهيار المالي منذ عام 2019 بشكل مباشر على سوق العمل، مُحدثة اختلالًا عميقًا في العلاقة بين الأجور وكلفة المعيشة، فقد أدّى التدهور الحاد في سعر صرف الليرة إلى تآكل الأجور الحقيقية، بحيث فقدت الرواتب جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية، في ظل معدلات تضخّم مرتفعة تجاوزت في بعض الفترات حدودًا غير مسبوقة.

ونتيجة لذلك، انتقل عدد كبير من العمال من حالة الاكتفاء النسبي إلى حالة العجز البنيوي عن تغطية الحاجات الأساسية، ما دفعهم إلى اعتماد استراتيجيات تكيّف قسرية، أبرزها العمل في أكثر من وظيفة في الوقت نفسه، وهو ما يُعرف اقتصاديًا بتعدّد مصادر الدخل القسري.

هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة دخل، بل يشير إلى خلل هيكلي في سوق العمل، حيث تتزايد نسبة العمالة غير النظامية التي تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية الإجمالية وإضعاف الاستقرار الاقتصادي.

إلى جانب ذلك، ساهمت التوترات الأمنية والحرب في تعميق حالة عدم اليقين (Economic Uncertainty)، ما أدّى إلى انكماش فرص العمل وتراجع الاستثمار، وبالتالي زيادة معدلات البطالة المقنّعة وتوسّع الاقتصاد غير الرسمي.

وفي ظل هذا المشهد، يجد العامل نفسه في موقع تفاوضي ضعيف، ما يضطره إلى قبول أجور متدنّية وظروف عمل غير عادلة، وهو ما يُشكّل بيئة خصبة للاستغلال الاقتصادي.

ورغم وجود أطر قانونية تنظّم العمل وتوفّر نظريًا شبكة أمان عبر مؤسسات مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلا أنّ ضعف الامتثال والرقابة يقلّص من فعاليتها، خصوصًا مع تراجع دور الهيئات التمثيلية مثل الاتحاد العمالي العام في لبنان في ضبط التوازن بين أصحاب العمل واليد العاملة.

بناء عليه، لم يعد عيد العمال في لبنان مجرّد مناسبة رمزية، بل تحوّل إلى مؤشر اقتصادي واجتماعي يعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعاني منها سوق العمل، حيث يتقاطع التضخّم، وتآكل الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية، مع ضغوط الحرب، ليُنتج واقعًا يُهدّد ليس فقط مستوى معيشة العمال، بل أيضًا استدامة الاقتصاد ككل.

وفي هذا السياق، تصبح الحاجة إلى إصلاحات هيكلية شاملة تشمل سياسات الأجور، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإعادة تنظيم سوق العمل أمرًا ملحًّا لضمان الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.