بين الرصاصة والصمت.. حين يُقتل الصحافي في لبنان مرتين!
بين الرصاصة والصمت.. حين يُقتل الصحافي في لبنان مرتين!
في لبنان، لا يُقتل الصحافي مرة واحدة، فهو يُقتل حين يُستهدف، ويُقتل مجددًا حين يُترك قاتله بلا حساب، ويُقتل مرة ثالثة حين يتحوّل اسمه إلى ذكرى
من سمير قصير إلى جبران تويني وصولًا إلى لقمان سليم، لا يتغيّر المشهد بقدر ما تتكرّر صيغته: اغتيال واضح المعالم، سرديات متضاربة، وعدالة معلّقة منذ سنوات. أي ان كل تلك الاغتيالات، تبدو وكأنها تتوزّع على مراحل سياسية مختلفة، لكنها تتقاطع في نقطة واحدة: استهداف الصوت الذي يتجاوز الخطوط الحمراء. ففي كل مرة، تُفتح القضية على وقع الصدمة، ثم تُقفل بهدوء، كأن الزمن وحده كفيل بابتلاع الحقيقة. لكن هذا المسار على قسوته، لا يختصر كل شيء.
في الجنوب، حيث لا يكون الموت استثناء بل جزءًا من المشهد اليومي، يسقط الصحافيون بطريقة مختلفة: لا بصفتهم أهدافًا مُعلنة، بل كأضرار «مرافقة” لحقيقة أنّهم في المكان الخطأ، في اللحظة الخطأ، يحملون الكاميرا بدل السلاح».
هكذا قُتل عصام عبد الله أثناء تغطيته الحدود، ذلك لم يكن اغتيالًا بالمعنى السياسي التقليدي، بل استهدافًا في منطقة يعرف الجميع أنّها تحت المجهر. ومع ذلك، مرّت الجريمة كغيرها: تحقيقات أولية، إدانات دولية، ثم صمت يتكفّل بالباقي.
في المقابل، تبرز تجربة أمل خليل، لا كاستثناء بطولي، بل كنموذج لصحافة تعمل يوميًا تحت سقف الخطر، حيث يصبح الوصول إلى المعلومة مرادفًا للمخاطرة بالحياة.
وبين رصاصة الاغتيال المنظّم ونيران الجبهات المفتوحة، تختلف الأدوات لكن النتيجة واحدة: استنزاف مستمر لجسم الصحافة واستنزاف أعمق لجرأتها.
في السياق، تشير تقارير لجنة حماية الصحفيين إلى أنّ الإفلات المزمن من العقاب لا يقتل الضحايا فقط، بل يعيد تشكيل سلوك من بقوا. الخوف هنا لا يُفرض دائمًا بقرار، بل يُزرع تدريجيًا كآلية بقاء. ومع الوقت، لا يحتاج الصحافي إلى رقيب مباشر، لأنّه يتعلّم وحده أين يتوقف، ومتى يصمت، وكيف يكتب دون أن يقول كل شيء. كما وكشف جمعية مراسلون بلا حدود أنّه في البيئات التي تتكرّر فيها الانتهاكات بلا محاسبة، لا تختفي حرية الصحافة دفعة واحدة، بل يعاد تعريفها وتصبح الحرية قابلة للتكيّف ومشروطة ومرنة إلى حدّ التنازل، فلا يُمنع الكلام بالكامل، بل يُعاد تشكيل حدوده.
هنا تحديدًا تتبدّل وظيفة القتل. لم يعد فقط لإسكات صوت بعينه، بل لترسيم خطوط غير مرئية لما يمكن قوله. ومع كل حادثة، لا يُحذف مقال فحسب، بل يُحذف احتمال كتابته أساسًا. تُضاف طبقة جديدة من الصمت، لا تُرى في النصوص المنشورة، لكنها تُقرأ بوضوح في المساحات الفارغة بينها.
والأخطر أنّ هذا كلّه يترافق مع ذاكرة انتقائية. تُستعاد الأسماء في المناسبات، تُرفع الصور، وتُعاد الكلمات نفسها، فيما يغيب السؤال الأثقل: ماذا فعل غياب العدالة بالمهنة نفسها؟ كم ملفًا لم يُفتح؟ كم تحقيقًا لم يُستكمل؟ وكم حقيقة بقيت خارج النص لأنها ببساطة لا تُحتمل؟
لبنان اليوم لا يفتقر إلى صحافيين شجعان، بل إلى بيئة تجعل شجاعتهم قابلة للحياة. بين اغتيال لا يُحاسَب عليه، وحرب لا تميّز بين حامل كاميرا ومقاتل، تتحوّل المهنة من سلطة رقابية إلى موقع دفاع دائم عن حقها في الوجود. واليوم، لم يعد السؤال فقط عن الذين سقطوا، بل عمّا تبقّى بعدهم: هل ما زالت الصحافة في لبنان تكتب الحقيقة… أم تعيد رسم حدودها مع كل غيابٍ للعدالة؟

