على أهلها جَنَت براقش.. حزب الله هلك وأهلك أهله
على أهلها جَنَت براقش.. حزب الله هلك وأهلك أهله
تكمن المعضلة الجوهرية في بيان النعي الذي أصدره الحزب تعهد فيه بـ«العهد الثابت والأبدي للخامنئي». بمثابة إعلان هوية تتقدم فيها طهران على بيروت، وعلى أهل الجنوب
«على نفسها جنت براقش». مثل عربي قديم يُروى عن كلبة دلّت الأعداء على قومها بنباحها، فكان هلاكها وهلاكهم. ليس في الحكاية بطولة، ولا في النباح شجاعة، بل قلة مسؤولية جرّت الموت على أصحابها. هكذا تبدو الصورة اليوم، عندما قرر «حزب الله» أن يطلق ستة صواريخ عشوائية نحو إسرائيل، لم تصِب هدفاً عسكرياً ذا شأن، لكنها أصابت الجنوب اللبناني في مقتل.
لم يكن قد مرّ يومان على اندلاع المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حتى قرر الحزب أن يدخل المشهد، لا بصفته لاعباً مستقلاً، بل بصفته صدى. قال إنّه ردَّ على مقتل علي الخامنئي. ستة صواريخ، في توقيت ملتبس، بلا حسابات واضحة، سوى ولاء الحزب لإيران.
النتيجة لم تتأخر. ردّ إسرائيلي قاسٍ طال الضاحية الجنوبية لبيروت، ومستودعات الحزب في الجنوب، ومراكز القرض الحسن. مرة جديدة، يدفع المدنيون الثمن، وتُفتح طرق النزوح من القرى الجنوبية نحو مناطق أبعد عن النار.
لكن ما هو أبعد من المشهد الميداني، هو ما يكشفه القرار نفسه. أي حسابات دفعت الحزب إلى خطوة يعلم سلفاً أنّها لن تُحدث فرقاً عسكرياً يُذكر، لكنها ستستجلب رداً مدمراً؟ وأي توازن بين الكلفة والجدوى جرى اعتماده؟
الوقائع القاسية تقول إنّ الحزب لا يملك اليوم فائض قوة يتيح له إدارة مواجهة واسعة مع إسرائيل. قدراته تآكلت بفعل الإستنزاف السابق، وبيئته الإجتماعية منهكة إقتصادياً ونفسياً، والدولة اللبنانية تقف هذه المرة على مسافة واضحة منه. فقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أنّ ما قام به الحزب عمل محظور ومخالف للقانون، فلا غطاء رسمي لمغامرته.
الأخطر ليس في محدودية الرد، بل في رمزيته. حين قُتل حسن نصرالله في وقت سابق، لم تُفتح جبهة شاملة، ولم يُغامر الحزب بمواجهة كبرى. أما حين سقط علي الخامنئي، جاء الرد سريعاً، ولو كان رمزياً. المفارقة فاقعة: الدم اللبناني لم يستدعِ ما استدعاه الدم الإيراني.
هنا تكمن المعضلة الجوهرية. بيان النعي الذي أصدره الحزب تعهد بـ«العهد الثابت والأبدي للخامنئي»، ولم يكن مجرد لغة عاطفية. كان إعلان هوية سياسية صريحة. هوية تتقدم فيها مرجعية طهران على حساب بيروت، وتتقدم فيها معادلات الإقليم على حساب بيوت أهل الجنوب.
والجنوب، كعادته، هو من يدفع الفاتورة. عائلات تجمع ذهبها وأوراقها الثبوتية على عجل. محال تُقفل أبوابها بانتظار هدنة لا يعلم أحد موعدها. ومدارس تتحول إلى ملاجئ مؤقتة. في كل مرة يُقال إنّ الردع قائم، ثم ينهار الردع عند أول اختبار. في كل مرة يُرفع شعار الحماية، ثم تتكفل الوقائع بنقضه.
السياسة، في جوهرها، هي فنّ تقدير اللحظة. لا يكفي أن تملك بعض الصواريخ، إن لم تملك رؤية. ولا يكفي أن تطلقها، إن لم تحسب الرد. ستة صواريخ لم تغيّر مسار الحرب الإقليمية، لكنها غيّرت حياة آلاف اللبنانيين خلال ساعات.
«على نفسها جَنَت براقش» ليست مجرد إستعارة بلاغية، بل خلاصة مسار يتكرر بإصرار لافت: قرار إنفعالي يُتخذ على عجل، وعقاب مضاعف يأتي بلا تأخير. في المقابل، لم تسأل إسرائيل عن رمزية الرد، بل تعاملت معه كفعل عسكري يستوجب عقاباً مضاعفاً.
ليست المسألة في أنّ الحزب ردّ، بل في أنّه ردّ بلا أفق. خطوة لا تؤسس لمعركة حاسمة، ولا تردع خصماً، ولا تحصن الداخل، بل تضعه في مرمى نار يعرف الجميع أنّها ستكون مؤذية. هنا تحديداً جنَت براقش على نفسها: حين قدمت الوفاء العقائدي لإيران على مصلحة الوطن وجنَت على بيئتها وشعبها والشعب اللبناني.

