عائلات وقرى وقلوب ترقص.. الدبكة بوصفها ذاكرة جماعية للبنان
عائلات وقرى وقلوب ترقص.. الدبكة بوصفها ذاكرة جماعية للبنان
تبدو الدبكة نموذجاً رمزياً لنظام إجتماعي بديل، لا يلغي الفوارق، لكنه يفرض إيقاعاً جامعاً. الفرد حاضر، لكن لا قيمة له خارج السلسلة.
يروي مصمم الرقص العالمي الراحل موريس بيجار أنّ شجاراً اندلع في إحدى ساحات اليونان، إلى أن بادر أحدهم برقص «السيرتاكي» الرقصة الشعبية اليونانية، وعلى الفور بدأ يدّب الحماس بالناس وبدأوا يتشكلون في حلقات جماعية، وسرعان ما انتهى العراك وتحوّل إلى طاقة مشتركة بثتها الخطوات. في تلك اللحظة، لم تنتصر الفكرة على الفكرة، بل الإيقاع على الإنقسام. هذه الحكاية لا تُستخدم هنا كاستعارة جميلة فحسب، بل كمفتاح لفهم الدبكة اللبنانية، كفعل جماعي يحوّل التوتر إلى انتظام، والإختلاف إلى تناغم
الدبكة ليست مجرد رقصة فلكلورية تُؤدّى في الأعراس والأعياد المحلية، بل بنية إجتماعية مصغّرة. صفّ متراصّ، أكتاف متشابكة، قدم تضرب الأرض بإيقاع موحّد. في بلد متعدّد الطوائف والإنتماءات كلبنان، تبدو الدبكة نموذجاً رمزياً لنظام إجتماعي بديل، لا يلغي الفوارق، لكنه يفرض إيقاعاً جامعاً. الفرد حاضر، لكن لا قيمة له خارج السلسلة.
من رصّ السطوح إلى رصّ الذاكرة
بحسب الموسيقار الراحل زكي ناصيف، تعود جذور الدبكة إلى عملية رصّ الأسطح الترابية في القرى القديمة. كان الأهالي يتكاتفون لضغط التراب بأقدامهم قبل اختراع المحدلة الحجرية، في حركة جماعية منتظمة ترافقها الأهازيج. سواء أكانت الرواية دقيقة حرفيًا أم لا، فإنّ دلالتها عميقة، الدبكة وُلدت من العمل، من الحاجة، من الفعل الجماعي المرتبط بالأرض. لم تكن ترفاً فنّياً، بل ضرورة معيشية تحوّلت مع الزمن إلى طقس إحتفالي هنا تكمن خصوصية الدبكة اللبنانية، هي فنّ نشأ من وظيفة، من فعل تثبيت السطح، إلى فعل تثبيت الإنتماء. الأرض التي كانت تُرصّ بالأقدام تحوّلت إلى أرض رمزية تُثبّت بالهوية.
الدبكة في زمن الحرب.. انتظام ضد الفوضى
خلال الحرب اللبنانية، حين تفكّكت الدولة وتكسّرت الجغرافيا إلى خطوط تماس، لم تتراجع الدبكة. على العكس، استمرّت في المناسبات الشعبية والخاصة، في الجرود البعيدة كما في البلدات والمدن. برزت فرق في الأرياف النائية والبعيدة حينها أكان بسبب ظروف الحرب أو البعد الجغرافي ومنها على سبيل المثال فرقة الأرز الفنية التي تألقت في استوديو الفن بالميدالية الذهبية في الثمانينات. لم تكن الدبكة مجرّد تسلية فحسب، كانت إعلاناً غير مباشر بأنّ الحياة مستمرة. حين تتصدّع المؤسسات ويسود العنف، يبحث المجتمع عن أشكال بديلة للتماسك. الدبكة بأريحيتها وعفويتها ربما بدت أحد هذه الأشكال.
الإصطفاف في خط مستقيم، في زمن المتاريس والإنقسام، يحمل معنى يتجاوز الحركة. إنّ الإيقاع المنتظم، في مقابل الفوضى اليومية، يشبه محاولة لاستعادة السيطرة الرمزية على واقع منفلت. إنّها مقاومة ثقافية لاواعية لا شعارات فيها، بل خطوات متزامنة، رغبة في الإنسجام المفقود منذ عقود، ورغبة في الفرح، وإلا كيف نفهم هذا الإعجاب الجماعي ببرنامج عن الدبكة أو «يلا ندبك»
من الساحة إلى المسرح.. تدويل الذاكرة
مع تطور المشهد الفني، ومنذ مهرجان الدبكة الشعبية الأول في بعلبك عام١٩٥٧ خرجت الدبكة من ساحات القرى إلى خشبات المسارح. لقد شكّلت فرقة كركلا محطة مفصلية في هذا التحول، إذ أعادت صياغة الدبكة ضمن قالب مسرحي إحترافي، جامع بين التقنيات المعاصرة والجذور التراثية. هنا لم تعد الدبكة تعبيراً محلياً فحسب، بل أصبحت لغة بصرية قابلة للتصدير.
لم تتحول الدبكة على المسرح إلى عرض جمالي منفصل عن بيئته الإجتماعية، بل ظلت تحمل معها الذاكرة الجماعية حتى في أكثر أشكالها حداثة.
ويمكن أن تكون فرحاً عفوياً في عرس قروي، كما يمكن أن تكون مشهداً مصمماً بعناية في عرض عالمي دون أن تفقد جوهرها القائم على التكاتف والإيقاع المشترك.
الدبكة مرآة للبنان، من العرجة والعسكرية إلى الشمالية والبقاعية والجبلية، والجنوبية والبيروتية، تختلف التفاصيل لكن يبقى المبدأ واحداً، جماعة تتحرك كوحدة واحدة. في مجتمع يختبر باستمرار أزمات سياسية واقتصاد وهويات ملتبسة ومتقاتلة، قد تؤدي الدبكة وظيفة رمزية، تذكير الناس بأنّهم، رغم كل شيء، قادرون على الإصطفاف جنبًا إلى جنب.
ليست قوة الدبكة في كونها جميلة و حماسية، بل في كونها تُمارَس، وكونها تعاش جسدياً، حين تضرب الأقدام الأرض بإيقاع موحّد، يصبح الجسد نفسه وسيلة لتأكيد الوجود والإنتماء.

