بالفيديو: ندى بو فرحات في مسرحية «آخدة كسرة».. القضية تبدأ من المجرور

بالفيديو: ندى بو فرحات في مسرحية «آخدة كسرة».. القضية تبدأ من المجرور

  • ١٥ شباط ٢٠٢٦
  • إلياس معلوف

من حفرة في الطريق، إلى خشبة تكشف وطناً، تُضيء على ما نمرّ به يومياً ونكاد ننساه. تُذكّرنا، بأنّ هناك مجروراً يجب أن يُغلق

تخيّل العبثية: حفرة في شارع كادت تغيّر مصيرك، وتقلب كل التوقّعات التي بنيتها طوال حياتك.  ندى فرحات لم تنتبه لخطواتها فسقطت في حفرة صرف صحي مكشوفة وإعتدنا أن نسميه «ريغار» باللسان اللبناني. لماذا مكشوفة؟ لأنّ هناك من سرق غطاء الحفرة لتسييله «حديد للبيع».
نحن الغارقون في صراعات السلاح، وفضائح الحكّام، والمجازر، والأخبار المقيتة عن إنحراف النخب العالمية، والإنقسامات، والأحداث المتسارعة، وجميعها بطابع سلبي محبط. كلها أحداث تمتصّ طاقة الفرد، تربكه، وتتركه عاجزاً عن ملاحظة ما يجري في يومياته. تجرفه، فلا تمهله، ولا تمنحه فسحة للتأمل في مصيره ومشكلاته الصغيرة التي رغم بساطتها، تختزل كل وجع الواقع.
ندى بو فرحات لاحظت، وعانت. تخطّت الإحساس العام بالهامشية والعجز، ثم نقلت الى الجمهور تفصيل يومي لم يتوقف عنده أحد «جورة في الشارع»  ليفهم يومياته وواقعه.   
وبعد أسابيع طويلة في المستشفى ورحلة تعافٍ بدت بلا نهاية، تقول:
مجرّد بقائي في هذا البلد، أنا وإبني وزوجي، وبنائي مستقبلًا لإبني هنا، هو بحد ذاته ثورة. مقاومة البقاء. مقاومة الأمل. أنا متعلّقة بلبنان. أموت بلبنان، مثل كثيرين.  الأصعب لم يكن الألم فقط، بل فكرة ألا تستطيع المشي مجدداً.
عام كامل توقفت فيه حياتها.
عام تفكر فيه كيف ستعمل، كيف ستكمل، بسبب إهمال لم يكن لها علاقة به، وكان يمكن تفاديه لو وُجد الحد الأدنى من الوعي والمحاسبة.
وسط هذا الإنهيار الكبير، تقول إننا نتعلّق بأبسط التفاصيل. حين نسمع بخطوة  صغيرة هنا أو هناك نشعر بدهشة: حقًا؟ هذا ما يفترض أن يكون طبيعيًا.
صرنا نتشبث بأي بادرة تغيير، فيما أبسط الأمور لا يُفترض أن تكون مادة نقاش أصلًا. لكن في بلد يغرق في فساد يومي، حتى إغلاق حفرة يصبح حدثًا.
من هنا وُلدت مسرحية «آخدة كسرة».
عمل سردي يحكي حادثتها، ويتجاوزها إلى علاقتنا نحن بالبلد، إلى تفاصيلنا الصغيرة التي تختصر أزماتنا الكبرى.
تسلّم النّصّ وأخرجه إيلي كمال، «ففاجأها»، خصوصاً أنّها لم تكن تريد أن تتحرك أصلًا. هو كان قد تابع تفاصيل الألم والعلاج، ومنح النّصّ حياة، حتى خرج إلى خشبة المسرح.
المجرور الذي سقطت  فيه ندى بو فرحات لم يعد حفرة في شارع، بل مرآة للبناني الغارق في الحفر. حفر المؤسسات التي غالباً لا تُغلق ثغراتها، كل فتحة مكشوفة، كل غطاء مفقود، كل إهمال صغير، هو إنزلاق مفاجيء الى أزمة جديدة. المسرح هنا يرفع الغطاء عن الحفرة، ليقول لنا: إذا لم ننتبه للتفاصيل الصغيرة، فلن ننجو من الإنهيار الكبير.
هكذا يعود المسرح إلى وظيفته الأولى، أن يضيء على ما نمرّ به يومياً ونكاد ننساه. أن يذكّرنا، نحن الغارقين في متابعة المشاكل الكبرى، بأنّ هناك مجروراً يجب أن تُغلق حفرته.