الشحّار مجدداً… حين يُصبح طرد الجيش عيداً للإشتراكي
الشحّار مجدداً… حين يُصبح طرد الجيش عيداً للإشتراكي
الدولة لا تُبنى على إنتصارات أهلية، بل على اعتراف جماعي بأنّ الحرب كانت خسارة للجميع. ومن يطالب بالجيش الضامن للوحدة الوطنية، لا يحتفل بطرده من أرض لبنانية، حتى لو كان ذلك قبل أربعة عقود.
يقوم «الحزب التقدمي الاشتراكي» في السنوات الأخيرة بخطوات تنظيمية لافتة. نساء في مواقع قيادية، شباب في الواجهة، جيل جديد يتقدم الصفوف، وحتى وجوه من خارج البيئة الدرزية تُرفّع داخل البنية الحزبية. صورة تحديثية، مدنية، عابرة للطوائف، توحي بأنّ الحزب يريد أن يكتب فصلاً مختلفاً في تاريخه، وأن يطوي صفحة الحرب نهائياً لصالح خطاب الدولة والمؤسسات.
لكن، وسط هذا المشهد «الإصلاحي»، يبدو الإحتفال بذكرى ما يُسمّى «تحرير» الشحار الغربي سقطة سياسية وأخلاقية لا تشبه خطاب التطوير، بل تعيد الحزب إلى أكثر لحظات الحرب الأهلية التباساً وحساسية.
في 13 و14 شباط 1984، اندلعت معارك واسعة في قرى الشحار: عبيه، عين كسور، كفرمتى، بعورتا، البنية، وصولاً إلى تخوم الدامور والمشرف. قصف متبادل، هجمات ليلية، محاور تقدم، إنسحابات تحت النار، أسر جنود، سقوط قتلى وجرحى، وتدخلات إقليمية مباشرة، من قصف بحري إلى تغطيات نارية كثيفة. خلال ساعات تبدّل ميزان السيطرة، وانهارت مواقع الجيش اللبناني وحزبي الكتائب والقوات اللبنانية في المنطقة، لينسحبوا باتجاه الساحل تحت ضغط عسكري كثيف.
هذه الوقائع، كما ترويها أدبيات تلك المرحلة، تُقدَّم اليوم تحت عنوان «التحرير». لكن التحرير ممّن؟ لم يكن الشحار تحت احتلال أجنبي. المعركة كانت ضد الجيش اللبناني بشكل أساسي، أي ضد مكوّنات لبنانية تمثل، شئنا أم أبينا، جزءاً من الشرعية القائمة آنذاك بعهد الرئيس أمين الجميّل.
قد يقال إنّ تلك الشرعية كانت منحازة أو مختلة. قد يُستعاد سياق إتفاق 17 أيار، والإنقسام الوطني الحاد، والصراع على هوية لبنان وموقعه الإقليمي. كل ذلك صحيح في سياقه التاريخي. لكن إعادة تسويق الحدث اليوم بوصفه «تحريراً» كاملاً، من دون أي مراجعة نقدية للغة أو للدلالات، يُخرج المناسبة من إطار استذكار حرب أهلية إلى إطار احتفال بانتصار فئوي.
هنا يكمن جوهر الإشكالية. الحزب الذي يرفع شعار «لا بديل من الدولة»، ويشدد على حصرية السلاح بيد المؤسسات، يحتفل عملياً بطرد الجيش اللبناني من منطقة لبنانية. كيف يستقيم هذا التناقض؟ كيف يمكن الجمع بين خطاب الدولة ورمزية «تحرير» الأرض من مؤسساتها العسكرية؟
المسألة ليست إنكاراً لآلام تلك المرحلة ولا لتضحيات من سقطوا فيها. بل هي سؤال في المعايير. هل يقبل «الاشتراكي»، مثلاً، أن يُنظَّم احتفال سنوي في بيئة أخرى بذكرى مقتل زعيم درزي تاريخي، تحت عنوان «تصحيح المسار» أو «استعادة التوازن» مثلاً؟ ألن يُقرأ ذلك استفزازاً مباشراً وجرحاً مفتوحاً؟
أو لنتخيّل، في سياق سوري، قيام طرف ما مستقبلاً بالاحتفال بذكرى «تحرير السويداء» من أهلها، أياً تكن ظروف الصراع هناك. ألن يُعتبر الأمر إعلان غلبة على جماعة لا مجرد محطة عسكرية؟
الذاكرة اللبنانية ليست حيادية. كل بلدة في الجبل، كما في الساحل، تحمل روايتين أو أكثر. في عبيه تُروى قصة استعادة مقام السيد عبد الله التنوخي، وفي المشرف تُستعاد صور الثكنة هناك، وفي الساحل يُحكى عن انسحابات تحت تغطية بحرية أميركية، وفي القرى الدرزية يُستذكر القصف الكثيف. كل طرف يملك أرشيفه وألمه ومفرداته.
لكن الفرق بين استذكار الألم وبين تحويله إلى عيد سياسي هو فرق شاسع. الأول قد يكون خطوة نحو المصالحة، والثاني يعيد تثبيت خطوط التماس في الوعي الجماعي.
اللافت أيضاً هو التباين داخل البيت الجنبلاطي. خطاب النائب تيمور جنبلاط بدا أكثر تمسكاً بالسردية التاريخية كما هي، مع تثبيت رمزية «التحرير» كمحطة مؤسِسة. أما وليد جنبلاط، فاختار نبرة أكثر هدوءاً وواقعية، داعياً إلى يوم بلا مهرجانات ولا خطب، وإلى وضع زهرة وقراءة الفاتحة بدل إستعراض الإنتصار.
هذا الفارق ليس تفصيلاً. إنّه يعكس فجوة بين خبرة رجل خبر الحرب وتقلباتها، ويعرف أنّ فائض الذاكرة قد يوقظ أشباحها، وبين جيل يريد تثبيت موقعه السياسي عبر إعادة شد العصب التاريخي.
السياسة ليست فقط في ما جرى عام 1984، بل في كيفية استعادته عام 2026 والسنوات التي ستليه. لبنان اليوم بلد منهك، يبحث عن دولة لا عن سرديات متقابلة. كل طائفة قادرة على استخراج «تحريرها» الخاص من أرشيف الحرب. لكن إذا قرر الجميع تحويل تلك اللحظات إلى أعياد، فلن يبقى من الدولة سوى إسمها.
الدولة لا تُبنى على إنتصارات أهلية، بل على اعتراف جماعي بأنّ الحرب كانت خسارة للجميع. ومن يطالب بالجيش الضامن للوحدة الوطنية، لا يحتفل بطرده من أرض لبنانية، حتى لو كان ذلك قبل أربعة عقود.
في السياسة، كما في التاريخ، لا تكفي إعادة ترتيب الوجوه داخل الحزب إذا بقيت الذاكرة القتالية هي المرجعية. التحديث الحقيقي ليس في ضخ دم شاب في الهيئات القيادية، بل في مراجعة اللغة التي تصنع الوعي.
أما الاحتفال بـ«تحرير» الشحار، فيبقى سقطة وسؤالاً مفتوحاً: هل هو خطوة نحو تثبيت المصالحة، أم تذكير مبطّن بأنّ الحرب، في الذاكرة العميقة، لم تُطوَ بالكامل؟

