إتفاق نتنياهو - ترامب: التفاوض تحت النار وإعادة رسم الإقليم

إتفاق نتنياهو - ترامب: التفاوض تحت النار وإعادة رسم الإقليم

  • ١٢ شباط ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

بينما يحتفل ترامب ونتنياهو بانتصاراتهما الخاصة، تبقى الساحات العربية هي التي تدفع الثمن الأكبر

مع عودة دونالد ترامب إلى قلب المشهد الأميركي، عادت معه التسريبات حول تفاهم غير معلن مع بنيامين نتنياهو، تفاهم لا يقتصر على غزة بل يمتد إلى إيران، الصواريخ البالستية، وشبكات الوكلاء في المنطقة. هذه الصفقة، وإن لم تُوقّع رسميًا، تبدو وكأنّها رُسمت بين الرجلين كخريطة طريق لإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط قبل أي مواجهة كبرى.

 

من جهة، حاول ترامب المقاول السياسي طيلة الأشهر الماضية أن يخرج باتفاق نووي مع طهران يمنحه صورة الرئيس القادر على حل أعقد أزمات العالم. الإيرانيون لوّحوا بالاستثمارات والانفتاح المرحلي، وفتح قنوات خلفية تُغري البيت الأبيض بإنجاز سريع يمكن تسويقه داخليًا قبل الانتخابات التشريعية، لكن هذه الوعود اصطدمت بحائط إسرائيلي صلب.

نتنياهو، العارف بتفاصيل التفاوض الإيراني، كان مقتنعًا بأنّ طهران لا توقّع إلا عند حافة الهاوية، وأنّ كل تأجيل اليوم يعني حربًا غدًا. بالنسبة إليه، لا يمكن فصل النووي عن الصواريخ البالستية، ولا يمكن فصل الإثنين عن أذرع إيران في لبنان وغزة واليمن والعراق . لذلك دفع باتجاه إتفاق شامل لا مجتزأ، مدعومًا من إيباك وشبكات ضغط نافذة داخل واشنطن.

في المقابل، قدّم نتنياهو لترامب تنازلاً تكتيكيًا في غزة: تساهل نسبي يسمح بإنشاء إدارة مدنية للقطاع، بما يخفف العبء العسكري عن إسرائيل ويمنح الجمهوريين ورقة إنسانية وسياسية قبيل الانتخابات. لم يكن ذلك انسحابًا، بل إعادة تموضع للسيطرة بأدوات غير عسكرية مباشرة.

مصادر دبلوماسية أمريكية مطلعة على مسار المباحثات تشير إلى أنّ الرجلين توصلا إلى تفاهم جوهري يقوم على مبدأ «التفاوض تحت النار». أي إبقاء الضغط العسكري والإقتصادي والأمني على إيران إلى الحد الذي يجبرها على تقديم تنازلات حقيقية، من دون الإنزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تفجّر المنطقة بأكملها.

وفق هذا التفاهم، انتزع ترامب ضمانات بتسهيلات مرتبطة بغزة، وبقاء النظام الإيراني قائمًا شكليًا بدل السعي لإسقاطه فورًا، على أن يُترك ليضعف تدريجيًا من الداخل. أما نتنياهو، فاعتبر أنّ مكسبه الأكبر هو إخراج حزب الله وحماس من المعادلة الإقليمية كقوتين قادرتين على فرض قواعد إشتباك، مع إبقاء إيران ضعيفة، بلا نووي و بالستي، وبلا ساحات قتال فعّالة تهدد إسرائيل.

اليوم، لا تبدو هذه الصفقة مجرد تفاهم تكتيكي، بل محاولة لإعادة هندسة الإقليم من أعلى. هي ليست سلامًا، وليست هدنة، بل إدارة للصراع بطريقة جديدة: أقل صخبًا، أكثر حسابًا، وأشد وطأة على اللاعبين الصغار في المنطقة.

 

في المحصلة، يقف اتفاق نتنياهو - ترامب عند تقاطع عالمين: عالم السياسة الأميركية الإنتخابية الباحثة عن إنجاز سريع، وعالم الأمن الإسرائيلي الذي يرى في إيران تهديدًا وجوديًا طويل الأمد. وبينما يحتفل الطرفان بانتصاراتهما الخاصة، تبقى الساحات العربية هي التي تدفع الثمن الأكبر.

فهل تكون هذه الصفقة بداية لترتيب إقليمي جديد، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة أعنف من الصراع؟