بالعصا يا بونا نجيب

بالعصا يا بونا نجيب

  • ٠٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

ليس الصمت دوماً فضيلة. أحياناً يحتاج الراعي أن يرفع عصاه، لا ليردع ذئباً عن قطيعه فحسب، بل ليذكّر الجميع بأنّ للرعية كرامة، وللأرض أصحاباً.

فليسمح لنا الأب نجيب العميل، كاهن رعية بلدة رميش، أن نتكلم عنه وعن عصاه.

ليس من المعقول أن يتحوّل كاهن أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في خدمة رعيته وأهل بلدته إلى متّهم يحتاج إلى تبرير مواقفه، لأنّه حاول تجنّب مواجهة بين أحد أبناء بلدته والقوى الأمنية، في ظروف استثنائية لا تشبه أي ظروف أخرى في لبنان. وليس من المقبول أن يُقتطع كلام قيل في سياق السخرية والاستنكار من ظروفه، ثم يُفسَّر وكأنّه تهديد أو استقواء بالاحتلال الإسرائيلي، فيما كان المقصود، كما أوضحت بلدية رميش، التعبير عن استحالة اللجوء إلى أي جهة غير الدولة اللبنانية، وعن غياب المؤازرة الأمنية اللازمة لمعالجة المشكلة.

أي دولة هذه التي تطلب من بلدية أن تنفّذ قراراً قد يضعها في مواجهة مباشرة مع أحد أبنائها، من دون أن تؤمّن لها الحماية اللازمة؟ وأي عدالة هذه التي تتعامل مع كلام كاهن في ظروف استثنائية بمعزل عن المكان والزمان والواقع الذي يعيشه؟

لا أحد يطلب تعطيل القضاء أو إعفاء المواطنين من القانون. لكن القانون ليس نصوصاً جامدة تُطبّق بمعزل عن الظروف، والعدالة ليست مجرد استدعاء أشخاص إلى التحقيق. العدالة أيضاً أن تفهم، وأن تميّز بين التهديد والاستغاثة، وبين الاستقواء بالاحتلال والتحذير من مخاطر الاحتكاك معه.

يا بونا نجيب، لا تذهب إلى صيدا لتبرّر أنك لم تكن تقصد ما فُهم من كلامك. أدعوك إلى عدم المثول أمام هذا الاستدعاء بصيغته الحالية، وإلى التمسك بموقفك إلى أن يُعاد النظر في القضية وتُعالج في إطار يحفظ كرامتك وكرامة رميش. ليس لأنك فوق القانون، بل لأن كرامة الناس وحقوقهم لا ينبغي أن تكونا موضع مساومة، ولأن من حقك أن تطالب بفهم كلامك في سياقه الحقيقي، لا أن تتحمّل وحدك تبعات سوء فهم كان يمكن تجنّبه.

أما رميش، فلها حكاية أخرى تستحق أن تُروى، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.

رميش ليست اليوم مجرد بلدة حدودية في جنوب لبنان، بل واحدة من الشهود الأحياء على أنّ الجنوب لم يعد حكراً على مشروع طائفة أو حزب. ففي الوقت الذي ربط فيه حزب الله قرار الجنوب ومصيره بالمشروع الإيراني، بقي أهل رميش متمسكين بلبنان، بهويتهم الوطنية وثقافتهم وكنائسهم وبيوتهم وأرضهم.

اختاروا البقاء حين كان الرحيل أسهل، وحافظوا على حضورهم في أرضهم حين دفعتهم الحروب والظروف القاسية إلى مغادرتها. ولم يكن صمودهم مجرد موقف سياسي، بل فعل انتماء يومي، دفعوا ثمنه من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.

العبث اللبناني هو أن يجد الذين حافظوا على حضور لبنان في إحدى أكثر بقاعه حساسية أنفسهم مضطرين إلى تبرير محاولاتهم حماية السلم الأهلي في بلدتهم. كأن المطلوب منهم أن يتحملوا الاحتلال ومخاطر الحرب وصعوبة العيش، ثم يتحملوا أيضاً عبء دولة لا تستطيع تأمين الحماية اللازمة لهم.

إذا كان ثمّة من يستحق الاستدعاء، فليُستدعَ المسؤولون عن ترك القرى الحدودية تواجه مصيرها وحدها. وإذا كان ثمّة من يستحق المساءلة، فلتبدأ المساءلة بسؤال الدولة عن واجباتها تجاه مواطنيها، وعن سبب عجزها عن توفير الحماية والمؤازرة اللازمتين لبلديات هذه القرى.

لا نريد من رميش أن تكون استثناءً من القانون، بل نريد القانون حاضراً فيها. لا نريدها خارج الدولة، بل نريد الدولة داخلها. ولا نريد لأهلها أن يضطروا إلى الاختيار بين سلامة أبنائهم وتنفيذ القانون، لأنّ هذه معادلة لا يجوز أن تضعهم فيها دولتهم.

أما أنت يا بونا نجيب، فلست مضطراً إلى أن تثبت لأحد أنّك لبناني، أو أن تشرح لأحد معنى التمسك بالأرض. ثلاثون عاماً ونيّف في رعية رميش، وما رافقها من محبة وصمود وخدمة وخطر، تقول أكثر بكثير مما يمكن أن تقوله جلسة تحقيق.

أمسك عصاك يا بونا نجيب. عصا الراعي الذي لا يتخلى عن قطيعه، وعصا الرجل الذي يعرف متى يكون الصمت حكمة ومتى يصبح الاعتراض واجباً. ولا تخف من أن تكون كلمتك أعلى من صوت الاستدعاء.

فبعض المواقف لا تحتاج إلى محامٍ عن أصحابها بقدر ما تحتاج إلى دولة تفهمها، وبعض الكرامات لا ينبغي أن تُترك رهينة إجراءات لا تراعي ظروف أصحابها.

رميش ليست بلدة متهمة تحتاج إلى الدفاع عن نفسها. رميش بلدة تستحق التكريم لأنّها لم تتخلَّ عن لبنان، حتى عندما تخلّى لبنان عنها.