هل تدخل تركيا الحرب في اليمن .. وهل تنجح حيث فشل عبد الناصر؟

هل تدخل تركيا الحرب في اليمن .. وهل تنجح حيث فشل عبد الناصر؟

  • ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

طائرات ومسيّرات ومقاتلون من سوريا، وأمام تركيا جبل لم يُكسر منذ ستينيات القرن الماضي

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه سيتحدث مع تركيا بشأن الحرب في

 اليمن، لم يكن الحديث عن أنقرة تفصيلاً دبلوماسياً عادياً. فتركيا التي وسعت نفوذها العسكري والسياسي خلال السنوات الماضية، من سوريا إلى ليبيا وصولاً إلى القرن الأفريقي، قد تجد نفسها أمام فرصة جديدة للدخول إلى واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في الشرق الأوسط. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستعداً لإرسال قواته إلى اليمن ومساعدة السعودية في حسم المعركة مع الحوثيين.

تمتلك تركيا واحدة من أقوى القوات المسلحة في المنطقة، وخصوصاً على مستوى سلاح الجو، الذي يضم مقاتلات إف ١٦ الأميركية، إلى جانب خبرة عملياتية واسعة اكتسبتها القوات التركية خلال تدخلاتها العسكرية خارج حدودها. كما تتمتع أنقرة بقدرات لوجستية مهمة وصناعة عسكرية متطورة، أبرز منتجاتها الطائرات المسيّرة من طراز بيرقدار تي بي ٢ وأكينجي، التي أثبتت حضورها في عدد من النزاعات العسكرية. وهذه القدرات قد تمنح أي تدخل تركي في اليمن ثقلاً عسكرياً إضافياً، خصوصاً في مجال الاستطلاع والضربات الجوية ودعم القوات البرية.

لكن الورقة التركية لا تقتصر على الطائرات المقاتلة والمسيّرات. فبحسب مصدر عسكري تركي تحدث إلينا، تستطيع أنقرة الاستعانة بما بين عشرة آلاف وعشرين ألف مقاتل أجنبي موجودين حالياً في سوريا، ممن شاركوا إلى جانب أحمد الشرع في المعارك التي أوصلته إلى السلطة. ويرى المصدر أنّ هؤلاء المقاتلين، الذين لا ينحدرون من دول عربية، قد يشكلون قوة برية يمكن توظيفها في الحرب اليمنية، بما يسمح لتركيا بتقديم دعم عسكري واسع من دون الاعتماد حصراً على إرسال جنودها النظاميين.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تساهم القوة الجوية التركية، بالتعاون مع القوات السعودية والمقاتلين القادمين من سوريا، في تغيير موازين القوى على الأرض. وقد تصبح استعادة صنعاء والحديدة هدفاً عسكرياً أكثر قابلية للتحقيق، خصوصاً إذا ترافق الضغط الجوي مع تقدم بري منظم. فالسيطرة على العاصمة صنعاء ستشكل ضربة سياسية وعسكرية كبيرة للحوثيين، فيما تعني استعادة الحديدة تقليص قدرتهم على الاستفادة من موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر.

إلا أنّ المعركة الأصعب قد تبدأ بعد ذلك، في صعدة، المعقل التاريخي للحوثيين. فهذه المحافظة الواقعة شمال اليمن تتميز بتضاريس جبلية شديدة الوعورة، تسمح للمقاتلين بالتحصن وإدارة حرب استنزاف طويلة. وقد يتمكن الحوثيون من تحويلها إلى منطقة دفاعية يصعب اقتحامها لسنوات، مستفيدين من معرفتهم بالأرض وشبكات التحصينات والممرات الجبلية.

والتاريخ يقدم مثالاً واضحاً على صعوبة القتال في شمال اليمن. ففي ستينيات القرن الماضي، أرسل الرئيس المصري جمال عبد الناصر عشرات آلاف الجنود إلى اليمن لدعم الجمهوريين في مواجهة الملكيين، لكن القوات المصرية واجهت حرباً قاسية في المناطق الجبلية، ولم تتمكن من تحقيق الحسم العسكري الذي كانت تطمح إليه. واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، قد تجد أي قوة تتدخل في صعدة نفسها أمام تحديات مشابهة، رغم التطور الكبير في التكنولوجيا العسكرية.

وعليه، فإنّ دخول تركيا الحرب قد يغير مسار المعارك، لكنه لا يضمن إنهاءها. فاستعادة صنعاء والحديدة، إن تحققت، لن تعني بالضرورة سقوط الحوثيين نهائياً، ما داموا قادرين على الانسحاب إلى معاقلهم الجبلية ومواصلة القتال.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يقرر أردوغان الدخول في حرب قد تمنح تركيا نفوذاً جديداً في المنطقة، أم يتجنّب التورط في مستنقع يمني سبق أن استنزف جيوشاً أكبر؟ وهل تستطيع أنقرة مساعدة السعودية على تحقيق انتصار عسكري حاسم، أم أنّ صعدة ستتحول مرة أخرى إلى الجبل الذي تتوقف عنده طموحات الجيوش؟