عامان على اغتيال نصرالله: آخر قائد لا آخر أمين عام

عامان على اغتيال نصرالله: آخر قائد لا آخر أمين عام

  • ٢٧ أيلول ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

نصرالله لم يكن آخر أمين عام لحزب الله، إنّما الأكيد أنّه كان آخر قائد له.

عامان على اغتيال إسرائيل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، والسؤال يتكرر كل عام: ماذا بقي من الحزب بعده؟ التاريخ وحده لا يجيب. فحزب الله سبق أن نجا من خسارة أمينه العام مرتين: عباس الموسوي قُتل واستمر الحزب، صبحي الطفيلي خرج واستمر الحزب أيضاً. لكن ما جرى مع نصرالله مختلف نوعياً، لا كمّياً فقط.

الفارق أنّ اغتياله لم يكن حدثاً منفرداً، بل ترافق مع اغتيال خليفته المباشر هاشم صفي الدين. عملياً، لم تكتفِ إسرائيل بضرب الأمين العام، بل ضربت خط الوراثة نفسه. وهكذا وصل نعيم قاسم إلى القيادة، لا كخيار أول، بل كحل بعد سقوط آخر رجلين في الصف الأول.

ما هو أكيد أنّ حزب الله لم ينتهِ بمقتل حسن نصرالله. فالتنظيم موجود، وقاعدته موجودة. لكنه لم يعد القوة الإقليمية التي تحدد إيقاع المواجهة، بل بات ينتظر اليوم إيقاع الخارج. لم يعد القوة التي تبادر، بل تحوّل إلى قوة انتظار: ينتظر ما ستفعله إيران، وينتظر نتائج التفاوض، وينتظر واشنطن.

فنصرالله لم يكن مجرد رأس هرم، بل صانع هوية: كلامه، خطابه، حتى صمته، كلها صارت جزءاً من تعريف حزب الله نفسه. لم يتولَّ تنظيماً موجوداً فحسب، بل أعاد صياغته على صورته، حوّل فيها حزب الله من ميليشيا محلية إلى قوة إقليمية قررت وحدها متى تشتعل الحرب ومتى تهدأ.

وفي عهده، كان الحزب يتكلم بصوت واحد لأنّ المرجعية كانت واحدة؛ هو من يقرر، وهو من يُعلن، وهو من يُحاسَب. لم يكن هناك من يتحدث باسم حزب الله إلا نصرالله نفسه.

أما اليوم، فالمشهد معكوس؛ كثيرون يتحدثون باسم الحزب، من قياديين إلى إعلاميين إلى أصوات موازية تدّعي تمثيل موقفه، دون أن يكون هناك مرجع واحد يحسم أيّ الكلام هو الموقف الفعلي. هذا التعدد لا يعكس تنوعاً صحياً في الرأي، بل خواء في موقع القرار؛ حين يتكلم الجميع باسم الحزب، فهذا يعني عملياً أنّ لا أحد يتكلم باسمه بصفة نهائية وملزمة. والنتيجة تناقضات متكررة بين تصريح وآخر، لا يحسمها أحد، لأنّه لا يوجد من يملك سلطة الحسم التي كانت بديهية أيام نصرالله.

هذه القدرة على القرار والمرجعية معاً هي ما ورثه قاسم، لكن منهكة لا سليمة، ومشتتة بين أصوات متعددة لا صوت واحد.

فقد ورث حزباً خرج منهكاً من حرب غيّرت قواعد الاشتباك التي قام عليها لعقود: خسر قيادات ميدانية وأمنية شكّلت العمود الفقري لقدرته العملانية، وتلقّت بنيته العسكرية ضربات لم تكن في حسبان أي سيناريو داخلي، وتحوّل سلاحه ذاته، الذي طالما اعتُبر خطاً أحمر فوق النقاش، إلى بند تفاوضي مطروح على الطاولة، تحت ضغط داخلي وخارجي غير مسبوق.

لكن الخسارة الأثقل لم تكن في العتاد ولا في الرجال الميدانيين، بل في موقع اتخاذ القرار نفسه: خسر الحزب عقله المدبر، من كان يحوّل كل خسارة تكتيكية إلى رواية انتصار استراتيجي، ويمنح كل تراجع ميداني غطاء سياسياً يحفظ هيبة التنظيم. غياب هذا العقل لا يُقاس بعدد القتلى أو حجم الأسلحة المفقودة، بل بغياب القدرة على إعادة تنظيم الخسارة، وتحويلها من انكشاف إلى سردية يمكن العيش بها. وهذا فراغ لا تملؤه إعادة تسليح، ولا يعوّضه تعيين خلف، لأنّه فراغ في وظيفة العقل السياسي للتنظيم، لا في قوائمه العسكرية.

فالتنظيم يستمر، لكن دون أن تتشكّل له هوية جديدة تلائم مرحلته الجديدة وهذا، ربما، أخطر من خسارة الأرض أو السلاح؛ أن تُدار مرحلة كاملة بلا صاحب هوية لها.

لذلك يمكن لحزب الله أن يستمر، كما استمر من قبل. لكن حزب الله الذي عرفناه، بقوته الإقليمية ومبادرته وهيبة قراره ومرجعيته الواحدة، انتهى بمقتل نصرالله.

 نصرالله لم يكن آخر أمين عام لحزب الله، إنّما الأكيد أنّه كان آخر قائد له.