نصرالله كان يعلم

نصرالله كان يعلم

  • ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

التحذيرات باتت مسموعة. فهل تتحرك الدولة اللبنانية قبل أن يصبح الدامور خط المواجهة الجديد، أم تنتظر سقوط بيروت تحت التهديد لتقول للبنانيين: لو كنا نعلم؟

في صيف عام ٢٠٠٦، وبينما كانت النيران تلتهم القرى والجسور تنهار والدخان يغطي سماء بيروت والجنوب، خرج السيد حسن نصرالله ليقول عبارته التي بقيت محفورة في الذاكرة اللبنانية: لو كنت أعلم.

كان المعنى واضحا. لو علم أنّ قرار الدخول في المواجهة سيقود إلى هذا الحجم من الدمار، لما دخل الحرب. كانت تلك العبارة بمثابة اعتراف بأنّ الحسابات لم تكن دقيقة، وأنّ إسرائيل ذهبت في ردها إلى مكان لم يتوقعه حزب الله.

لكن في تشرين الأول عام ٢٠٢٣، دخل نصرالله الحرب مجددا إلى جانب حركة حماس. حاول هذه المرة إبقاء المواجهة ضمن حدود محسوبة. حرب إسناد منضبطة تمنح الحزب الاعتراف بدوره الإقليمي من دون أن تستجلب تدميراً إسرائيلياً واسعاً للبنان.

بنى نصرالله حساباته على فكرة أنّ إسرائيل لا تستطيع القتال لفترة طويلة، وأنّ مجتمعها لا يحتمل سقوط أعداد كبيرة من الجنود، وأنّ الضغوط الداخلية والدولية ستجبرها على التراجع. لكنه أخطأ مرة أخرى.

خلال المرحلة الممتدة بين تشرين الأول ٢٠٢٣ وأيلول ٢٠٢٤، سخر نصرالله في أحد خطاباته من مقال تحدث عن نية إسرائيل اغتيال قادة الصف الأول والثاني والثالث في حزب الله. تعامل مع الكلام كأنّه تهويل لا يمكن تنفيذه، لكن ما سخر منه؛ تحوّل لاحقاً إلى واقع.

وهنا تسقط حجة المفاجأة. هذه المرة لم يكن ممكناً القول لو كنت أعلم. نصرالله كان يعلم أنّ؛ إسرائيل تهدد باغتيال القيادة العسكرية والسياسية للحزب. كان يعلم أنّها مستعدة لتوسيع الحرب، ومع ذلك استمر في معركة خاسرة ضد عدو يرى في الدمار وسيلة لتحقيق أهدافه ولا يتردد في استعمالها.

اليوم لم يعد حزب الله هو من يهدد إسرائيل. نصرالله وعد اللبنانيين بأنّ حزبه سيحرّر القدس، لكن إسرائيل أصبحت في النبطية. المعادلة انقلبت، والتهديد الذي قيل إنّه سيبعد الحرب عن لبنان أعادها إلى قلب الجنوب.

لكن الخطر الأكبر قد لا يكون ما حدث، بل ما يمكن أن يحدث لاحقا.

بحسب مصدر دبلوماسي أميركي، تتجه إسرائيل إلى السيطرة على جزين والشوف والوصول إلى الدامور، بهدف وضع بيروت تحت التهديد المباشر. في المقابل، لا تزال الدولة اللبنانية ترفض تصديق هذا الاحتمال، وكأنّ تجاهل الخطر سيمنع وقوعه.

نصرالله أخطأ لأنّه اعتقد أنّ إسرائيل لن تفعل ما كانت تقول إنّها ستفعله. فهل ترتكب الدولة اليوم الخطأ نفسه؟

السؤال لم يعد إن كانت التحذيرات حقيقية، بل إن كانت الدولة ستتحرك قبل أن يصبح الدامور خط المواجهة الجديد، أم أنّها ستنتظر سقوط بيروت تحت التهديد ثم تقول للبنانيين: لو كنا نعلم.