حزب الله يبيع الشعارات نقداً ويشتري المصالح بالتقسيط
حزب الله يبيع الشعارات نقداً ويشتري المصالح بالتقسيط
الحزب الذي يخوّن كل من يحاور واشنطن، يتحول فجأة إلى أكثر المراهنين حماسة على أنّ تُنصفه الدولة «الشيطانية» في صفقة مع طهران.
يكرر الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في خطاباته المتتالية وصف الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر»، ويصوّر أي تفاوض معها بوصفه وصاية على القرار اللبناني وتفريطاً بالسيادة الوطنية، بل استسلاماً صريحاً. خطاب حاد، حاسم، لا يترك مجالاً للالتباس، في الظاهر على الأقل.
لكن خلف هذه الشعارات النارية، تكمن حقيقة مغايرة تماماً: حزب الله ينتظر أميركا، ويراقب تحركاتها بقلق لا يقل عن قلق خصومه.
فمنذ أن ترك الحزب جبهات القتال، وانكفأ مقاتلوه إلى الأنفاق يتفرجون من تحت الأرض على قراهم وهي تُجرف فوقهم، لم يعد في أجندته سوى انتظار واحد: ماذا سيفعل «الشيطان الأميركي»، وإلى أين ستؤول وثيقة التفاهم بين واشنطن وطهران؟
اللافت أنّ نواب كتلة الوفاء للمقاومة ومسؤولي الحزب، الذين لا يفتأون يعيبون على الدولة اللبنانية أي انفتاح تفاوضي مع واشنطن، هم أنفسهم من يعوّل، في العمق، على أنّ يكون لبنان بنداً ضمن المحادثات الأميركية-الإيرانية. اتفاق لا يجلس لبنان فيه على الطاولة، بل يُدرَج كملف هامشي يُحسم مصيره بمعزل عن إرادته، وتُقايَض فيه أرضه وقراره ضمن صفقة أكبر، فتسقط كل الشعارات التي رُفعت طويلاً عن «السيادة» و«القرار الحر»، لتحلّ محلها معادلة أكثر واقعية: انتظار أنّ يقرر آخرون، في طهران وواشنطن، مصير لبنان نيابة عنه.
يظهر هذا التناقض بوضوح متزايد في تصريحات قيادات الحزب خلال الأسابيع الأخيرة. فمن جهة، يقول القيادي محمود قماطي إنّه لا مشكلة لدى الحزب في التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، بينما يتحدث النائب حسن فضل الله عن ثقة كاملة بإيران وبمسار تفاوضي مع واشنطن يُفترض أنّ يشمل لبنان ضمنياً.
وبعد أيام قليلة فقط، يعود نعيم قاسم ليصف أميركا، وكل من يتعاون معها، بأنّهم في «خط الشرك والانحراف والكفر»، و في «ملة واحدة». فكيف يمكن لواشنطن، التي يعتبرها الحزب جزءاً من المشكلة، أنّ تكون في الوقت نفسه الجهة التي يُنتظر أنّ يأتي الحل عبرها؟
لا شك اليوم أنّ ثمة حسابين مختلفين يتقاطعان دون أنّ يلتقيا: حسابات بعبدا، وحسابات الضاحية الجنوبية.
فرئيس الجمهورية جوزاف عون ينتظر من واشنطن الضغط على إسرائيل لتنفيذ الانسحاب من النقاط التي تحتلها، ضمن مقاربة رسمية تقوم على التفاوض غير المباشر والمسار الدبلوماسي.
أما حزب الله، فينتظر شيئاً مختلفاً تماماً: أنّ يكون جزءاً من «تفاهم» إيراني-أميركي أوسع، تُحفظ فيه مصالحه أو تُصان ضمن تسوية إقليمية شاملة.
الطريقان مختلفان في المنطلق والخطاب والأدوات، لكن نقطة الوصول واحدة، وتمرّ عبر البيت الأبيض.
في المحصلة، لا يقف حزب الله اليوم على أرضية عقائدية صلبة يزعم الدفاع عنها، بل على شرخ فاضح بين خطاب يُستهلك محلياً وممارسة تُدار في الخفاء. فالحزب الذي يخوّن كل من يحاور واشنطن، يتحول فجأة إلى أكثر المراهنين حماسة على أنّ تُنصفه هذه الدولة «الشيطانية» نفسها في صفقة مع طهران.
هذا ليس تناقضاً عابراً، بل هو انكشاف كامل لبنية تفكير براغماتية انتهازية تتقن استخدام الشعارات الأيديولوجية وقوداً للتعبئة الداخلية، بينما تُدار الحسابات الفعلية بمنطق مختلف تماماً: منطق من يعرف أنّ قراره لم يعد بيده، وأن مصيره بات مرهوناً بما تقرره طهران وواشنطن على طاولة لا مقعد للبنان عليها.
فبينما تتعطل الدولة عن أي مسار تفاوضي جدي بذريعة «رفض الوصاية»، يقف الحزب نفسه في الظل ينتظر أنّ يُقايَض به البلد بأكمله كبند ثانوي في تسوية إقليمية. إنه خطاب يبيع الشعارات نقداً ويشتري المصالح بالتقسيط، ويترك للبنانيين وحدهم عبء دفع الفارق.

