الياقوتة الحمراء سقطت من الخاتم الإيراني
الياقوتة الحمراء سقطت من الخاتم الإيراني
قد يكون العراق هو تلك الياقوتة الحمراء التي بدأت تسقط من الخاتم الإيراني، الجوهرة التي يصعب تعويضها.
تروي الأخبار أنّ الخليفة العباسي هارون الرشيد أضاع أغلى وأندر ياقوتة حمراء خلال رحلة صيد في بغداد. كانت قيمة الياقوتة في ندرتها وفي استحالة استبدالها.
وفي عالم السياسة، ثمة ياقوتات من الطراز نفسه؛ دول، ممرات، ومواقع استراتيجية، لا تُقاس قيمتها بالمساحة أو الثروة، بل بصعوبة تعويضها. فحين تسقط إحداها من خاتم النفوذ، لا يكفي القول إنّ خسارة قد وقعت، بل إنّ توازناً بأكمله قد اختلّ، وفراغاً لن يُملأ بسهولة.
العراق هو واحدة من تلك الجواهر بالنسبة إلى إيران.
فمنذ سقوط صدام حسين، بنت طهران داخل العراق شبكة نفوذ قلّ نظيرها: أحزاب، فصائل مسلحة، مؤسسات، علاقات اقتصادية وممرات سياسية جعلت بغداد جزءًا أساسياً من منظومة نفوذها الإقليمي. لكن ما يجري اليوم يوحي بأنّ هذه المعادلة قد بدأت تتغير بالفعل.
ففي نيويورك، التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وأكد الجانب الأميركي دعمه للحكومة العراقية، فيما جدّد الزيدي التزامه بحصر السلاح بيد الدولة. وقد وضعت بغداد خطة تبدأ بوقف هجمات الفصائل، على أن تنتهي عملية تسليم الأسلحة بحلول ٣٠ حزيران ٢٠٢٧.
قد يبدو الموعد بعيداً، وقد تواجه الخطة مقاومة شرسة من الفصائل المرتبطة بإيران. لكن الأهم أنّ المعادلة تغيّرت: لم يعد السؤال هل تستطيع الميليشيات أن تحتفظ بسلاحها، بل متى وكيف ستسلمه للدولة. وإذا نجحت بغداد في تنفيذ ما تعهدت به، فإنّ إحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني في العراق ستتراجع بصورة جوهرية.
والتحوّل لا يتوقّف عند السلاح. ففي تموز الماضي، وقّع العراق عشرات الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع شركات أميركية، تجاوزت قيمتها المعلنة ٦٠ مليار دولار، وشملت الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والبنية التحتية والقطاع المالي. كما أُعلن عن اتفاقات في قطاع الطاقة بقيمة تصل إلى ٢٠٠ مليار دولار.
هنا تصبح الصورة أكثر وضوحاُ. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى استعادة العراق بالدبابات. الشركات تدخل من بوابة النفط والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار، فيما تحاول الحكومة العراقية أن تبني دولة تحتكر السلاح وتوسّع خياراتها الاقتصادية. وكلما اتسعت هذه الخيارات، تراجعت قدرة أي دولة أخرى على التعامل مع العراق باعتباره مجالاً لنفوذها.
ليس معنى ذلك أنّ إيران خرجت من العراق كلياً. لم يحدث ذلك بعد، ولا تزال طهران تملك حلفاء سياسيين وفصائل مسلحة وشبكات اقتصادية واسعة، لكن الخسارة السياسية تبدأ أحياناً قبل سقوط آخر حجر من البناء. تبدأ عندما تتغير قواعد اللعبة التي صنعت النفوذ.
ولهذا فإنّ خسارة إيران للعراق، إن اكتملت، لن تكون بخروج سفير أو سقوط حكومة، بل بانتهاء العراق الذي تستطيع فيه قوة خارجية أن تمتلك أدوات مسلحة داخلية قادرة على التأثير في القرار السيادي. عراق يحتفظ بعلاقته مع إيران، لكنه لا يدور في فلكها. بتعامل معها كجار، لا كصاحب قرار، وينفتح على واشنطن من دون أن يصبح تابعاً لها.
قد تكون هو تلك الياقوتة الحمراء التي بدأت تسقط من الخاتم الإيراني.
وقد يكون العراق هو الجوهرة التي يصعب تعويضها.
فطهران تستطيع أن تخسر نفوذاً في ساحات أخرى، وأن تعيد بناء تحالفات جديدة، لكن العراق ليس ساحة عابرة. إنّه الجغرافيا التي تصل إيران بالمشرق، والسوق، والحدود، والعمق السياسي والأمني الذي استثمرت فيه عقوداً من العمل.
العراق ليس جوهرة أميركية، كما أنّه ليس ملكاً إيرانياً. لكن إذا نجحت بغداد في استعادة احتكارها للسلاح، وفي بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنوعاً، فإنّ ما تخسره إيران لن يكون العراق كدولة، بل العراق كمساحة نفوذ. وهذه، في حسابات الدول، قد تكون الخسارة الأكبر: أن تبقى الجوهرة أمام عينيك، لكن تسقط من خاتمك وتضيع منك.

