مكبّ سرار .. من أزمة نفايات إلى أزمة تهدّد عكار!
مكبّ سرار .. من أزمة نفايات إلى أزمة تهدّد عكار!
العالم يطوّر حلولاً وخططاً مستدامة لإدارة النفايات، فيما يبقى لبنان عالقاً في الأزمة نفسها؛ فالمشكلة ليست غياب الأفكار، بل سوء الإدارة، وضعف التخطيط، وغياب التنفيذ.
منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لم يكن مكبّ بلدة سرار في قضاء عكار مجرد موقع تتكدّس فيه النفايات. فمع مرور السنوات تحوّل المكب إلى جزء من حياة القرى المحيطة به وفرض على سكانها واقعًا بيئيًا وصحيًا واقتصاديًا وتعليميًا يوحي بأزمة لا نهاية لها.
المشكلة اليوم لا تتوقف عند النفايات الموجودة أصلًا في سرار، بل تتوسع مع الحديث عن إمكانية استقبال نفايات من خارج عكار ولا سيما من طرابلس.
هذه المشكلة تواجه رفضًا عكاريًا واسعًا، سياسيًا وبلديًا وشعبيًا، وسط تأكيدات بأنّ المحافظة لن تقبل بأن تتحول إلى وجهة لنفايات المناطق الأخرى.
ليست المسألة مجرد مكب نفايات عشوائي، بل عقود من تراكمات التلوث والأضرار البيئية والصحية التي طالت أهالي المنطقة.
فمكبّ سرار يقع في منطقة تتقاطع مع مجرى مائي، ما يسبب تسرّب الملوثات إلى المياه والتربة، ولا سيما الأراضي الزراعية في سهل عكار، الذي يشكّل شرياناً أساسياً للإنتاج الزراعي والاقتصاد المحلي. وكل حريق داخل المكب لا يعني دخاناً عابراً فحسب، بل انبعاثات تصل إلى القرى المحيطة وتضيف عبئاً بيئياً جديداً على السكان والزراعة.
وفي محيط المكب، لم تعد المشكلة مجرد روائح كريهة أو دخان عابر؛ الأهالي يتحدثون عن تلوث يتسلل إلى تفاصيل حياتهم اليومية، فيما يصل أثر الحرائق إلى المدارس القريبة، ويدفع الدخان والروائح، في بعض الحالات، إلى تعطيل الدراسة وإقفال المدارس.
وهكذا، تتشعب الأزمة بيئيًا مع تلوث الهواء والتربة والمياه، صحيًا مع تعرض السكان للدخان والملوثات، اقتصاديًا مع تأثير التلوث على الأراضي والزراعة والحياة اليومية، وتعليميًا عندما يصبح الوصول إلى المدرسة نفسها مرتبطًا بقدرة الأهالي على تحمّل الدخان والروائح.
في المقابل، يُحكى عن مشروع لتطوير إدارة النفايات في سرار، ضمن برنامج ممول من البنك الدولي، ما يطرح سؤالًا أساسيًا حول مستقبل الموقع: هل نحن أمام معالجة فعلية لمشكلة عمرها عقود، أم أمام إعادة تنظيم للمكب بما يسمح له باستقبال كميات أكبر من خارج المحافظة؟
وهنا تحديدًا تكمن أزمة الحلول غير الآمنة؛ فإذا كان الهدف معالجة أزمة سرار، فمن يضمن ألا تتحول المعالجة إلى توسيع لدور المكب؟ ومن يحدد الكميات التي سيستقبلها؟ ومن يضمن حماية المياه والسكان والمدارس المحيطة؟
لكن هذه القضية لا تخص عكار وحدها، فنحن أمام أزمة نفايات تطال الشمال بأكمله، وتكشف مرة جديدة عجزًا أوسع في إدارة النفايات في لبنان.
فحين تتحول النفايات من ملف خدماتي إلى تهديد للصحة والمياه والزراعة والتعليم، تصبح أزمة بلدة سرار أكثر من أزمة محلية؛ فهو يكشف خللاً تنموياً أوسع في إدارة النفايات في لبنان، حيث تتراكم المعالجة المؤقتة بدل بناء منظومة مستدامة للفرز والمعالجة والرقابة. والنتيجة أنّ كلفة سوء الإدارة لا تُدفع من الموازنات وحدها، بل تُنقل إلى صحة الناس، والأراضي الزراعية، والاقتصاد المحلي، والبيئة.

