نتنياهو يستفز أردوغان .. فهل يجرؤ الأخير؟
نتنياهو يستفز أردوغان .. فهل يجرؤ الأخير؟
إذا تمسّكت تركيا بتوسيع وجودها العسكري في سوريا، وتمسكت دمشق بورقة اليورانيوم، فقد يضع نتنياهو أردوغان أمام معادلة صعبة.
يبدو أنّ الصراع على سوريا دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها إسرائيل تكتفي بمراقبة التمدّد التركي داخل الأراضي السورية، بل انتقلت إلى توجيه رسائل عسكرية مباشرة إلى أنقرة. الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا لم تكن مجرد غارة جديدة على منشأة عسكرية سورية، بل حملت رسالة واضحة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنّ إسرائيل لن تسمح لتركيا بتحويل نفوذها السياسي والعسكري المتزايد في سوريا إلى وجود عسكري دائم يغيّر موازين القوى على الأرض.
إسرائيل أعلنت أنّ الضربة جاءت بعدما اقتربت دمشق من السماح بانتشار قوات تركية في القاعدة، معتبرة أنّ ذلك يشكل تهديداً مباشراً لأمنها. وجاءت الغارات بعد ساعات من زيارة وفد تركي إلى أبو الظهور لمتابعة أعمال إعادة تأهيل المنشأة، في مشهد جعل الرسالة الإسرائيلية إلى أنقرة أكثر وضوحاً.
لكن خلف الضربة بعداً أكبر يتعلق بالموقف الأميركي. وبحسب مصدر دبلوماسي أميركي، فإنّ واشنطن كانت على علم بالتحرك الإسرائيلي، ولم تكن لديها معارضة فعلية للعملية، رغم الانتقادات العلنية التي صدرت لاحقاً. ويقول المصدر إنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان في العمق على ضرورة عدم السماح لتركيا بتوسيع نفوذها العسكري في سوريا إلى درجة تجعلها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في البلاد، خصوصاً مع تسارع التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى أردوغان. فتركيا التي استثمرت سياسياً وعسكرياً لسنوات في الملف السوري، تجد نفسها اليوم أمام إسرائيل تقول لها عملياً إنّ هناك حدوداً لهذا النفوذ، وإنّ تجاوز هذه الحدود قد يقابل بالقوة. أما واشنطن فتحاول في العلن منع الانفجار واحتواء التوتر، في وقت بات فيه احتمال وقوع احتكاك غير محسوب بين الأطراف أكثر جدية من السابق.
لكن الرد السوري قد يفتح ملفاً أخطر بكثير. وبحسب مصدر عسكري سوري، قررت دمشق رداً على الضربة الإسرائيلية التراجع عن التخلي عن اليورانيوم الموجود على الأراضي السورية، بعدما كانت تفاهمات سابقة تقضي بوضع هذه المواد تحت إشراف دولي تمهيداً لإخراجها. هذا الملف يشكل قضية أمنية شديدة الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل، التي تنظر إلى أي مواد مرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق باعتبارها تهديداً لا يمكن تجاهله.
وهكذا تكون ضربة أبو الظهور قد فتحت باباً أخطر من القاعدة نفسها. فإذا تمسكت تركيا بتوسيع وجودها العسكري، وتمسكت دمشق بورقة اليورانيوم رداً على الضربات الإسرائيلية، فإنّ نتنياهو سيكون قد وضع أردوغان أمام اختبار مباشر.
فإسرائيل رفعت السقف، وقصفت المكان الذي كان يمكن أن يتحول إلى رمز للوجود العسكري التركي في سوريا، وأرسلت رسالة بأنّ توسع أنقرة لن يمرّ من دون ثمن. لكن تركيا بدورها لا تستطيع الاستمرار في بناء نفوذها داخل سوريا إذا كانت إسرائيل قادرة في كل مرة على ضرب المواقع التي تريد أن تتمركز فيها من دون ردّ.
من هنا قد تتحول سوريا من مساحة تنافس غير مباشر بين إسرائيل وتركيا إلى ساحة احتكاك مباشر بين القوتين. وأي ضربة إسرائيلية جديدة تستهدف وجوداً تركياً فعلياً، أو أي رد تركي على الطائرات أو القوات الإسرائيلية، قد يكون كافياً لنقل المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً.
نتنياهو استفز أردوغان ووضعه أمام معادلة صعبة. فإما أن يتراجع الرئيس التركي ويقبل بالحدود التي تحاول إسرائيل فرضها على نفوذه في سوريا، وإما أن يقرر أن حماية هذا النفوذ تستحق مواجهة إسرائيل.
فهل يجرؤ أردوغان؟

