زيارة إلى بعلبك.. هيبة حزب الله تراجعت
زيارة إلى بعلبك.. هيبة حزب الله تراجعت
صورة لرئيس الجمهورية، وعائلات محلية تعلن ولاءها للدولة، ومواطن يقول إنّ «الخوف خفّ». هذه التفاصيل لا تصنع تحولاً سياسياً. لكنها تقول إنّ شيئاً ما يتحرك تحت سطح بعلبك.
ذهبتُ إلى بعلبك في عطلة نهاية الأسبوع لشراء بعض أثاث المنزل. كانت الزيارة، في ظاهرها، عادية جداً. جولة في الأسواق، البحث عن بعض الحاجيات، التفاوض مع أصحاب المحلات، ثم العودة. لكن بعلبك، بما تمثّله سياسياً وشعبياً، لا يمكن زيارتها من دون ملاحظة ما تغيّر في المشهد من حولك.
أول ما لفتني هو أنّ محيط قلعة بعلبك والأسواق التجارية بدا أكثر نظافة وترتيباً مما كان عليه في السابق. حركة الناس موجودة، والمحلات تعمل، والمدينة تحاول أن تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية. لكن خلف هذا المشهد الهادئ، يمكن ملاحظة تبدّل آخر، أكثر ارتباطاً بالسياسة والمزاج العام.
صور مقاتلي حزب الله الذين يُقدَّمون بوصفهم شهداء قد خفّ حضورها، فيما من تبقى منها بدا عليه الغبار، وكأنّها لم تعد تحظى بالعناية التي كانت تحظى بها في السابق. الصورة هنا ليست مجرد صورة معلّقة على جدار أو عامود كهرباء... فهي في مدينة مثل بعلبك جزء من المشهد العام، ومن الطريقة التي يُعبّر فيها المجتمع عن ذاكرته السياسية وموقفه من الحزب.
الأكثر لفتاً كان تراجع حضور صور قيادات الحزب وحلفائه الإقليميين. صور حسن نصرالله، التي كانت حاضرة بكثافة في مناطق نفوذ الحزب، باتت أقل ظهوراً. وكذلك صور المرشد الإيراني علي خامنئي، التي كانت تشكّل جزءاً واضحاً من المشهد البصري في بعض المناطق. لا يعني ذلك اختفاءها تماماً، لكنها لم تعد تبدو بالقوة والحضور نفسيهما.
في المقابل، تظهر بين حين وآخر صور الأمين العام نعيم قاسم، مرفقة بعبارات مثل «لك الأمر» و «لك البيعة والولاء». وكأنّ الحزب يحاول، من خلال هذه الشعارات، تثبيت صورة القيادة الجديدة واستعادة لغة الولاء التي كانت مرتبطة في الوعي الشعبي بصورة نصرالله.
لكن اللافت أيضاً هو حضور صور رئيس الجمهورية جوزاف عون في بعض اللوحات واللافتات، وبعضها موقّع باسم عائلات محلية، جلّها عائلات سنيّة. وهذا ليس تفصيلاً عابراً. فالحضور السياسي في بعلبك لم يعد يُختزل بالضرورة في صورة واحدة أو خطاب واحد، بل باتت هناك مساحة أكبر لرموز الدولة، ولخطاب يتجاوز الاصطفافات التقليدية.
قد لا يكون من الدقيق القول إنّ بعلبك ابتعدت عن حزب الله. المدينة لا تزال، سياسياً واجتماعياً، جزءاً أساسياً من بيئة الحزب، ولا يمكن اختزال المزاج العام فيها بملاحظات عابرة خلال زيارة واحدة. لكن ما تغير، وربما بشكل أكثر أهمية، هو درجة الهيبة.
تحدثتُ مع عدد من المارة وأصحاب المحلات وسائقي سيارات الأجرة قرب القلعة وفي الأسواق. لم يكن الجميع راغباً في الحديث طويلاً، وبعضهم بقي حذراً في اختيار كلماته. لكن القاسم المشترك في عدد من الأحاديث كان الشعور بالمرارة من الخسائر التي تكبّدها الناس نتيجة الحروب والمواجهات الأخيرة مع إسرائيل.
أحد أصحاب المحلات تحدث عن تراجع الحركة التجارية والخسائر التي أصابت الناس، فيما قال آخر إنّ الناس «تعبت». لم يكن الاعتراض بالضرورة سياسياً أو أيديولوجياً على الحزب، بقدر ما كان سؤالاً بسيطاً عن الكلفة: ماذا ربحنا، وماذا خسرنا؟
أما العبارة التي بقيت عالقة في ذهني، فجاءت من أحد سائقي سيارات الأجرة. قال لي ببساطة: «خفّ الخوف من الحزب».
ربما تختصر هذه الجملة جانباً مهماً من التحول الذي يمكن ملاحظته في بعلبك. فالنفوذ السياسي لا يقوم فقط على عدد المؤيدين، ولا على حجم الحضور التنظيمي، بل أيضاً على الهيبة، وعلى شعور الناس بأنّ هناك قوة لا يمكن مساءلتها أو الاعتراض عليها.
حين يبدأ هذا الشعور بالتراجع، حتى ولو بقيت القاعدة الشعبية موجودة، يبدأ شيء ما بالتغير.
في السنوات الماضية، كان حزب الله في كثير من مناطق البقاع أكثر من حزب سياسي. كان قوة عسكرية، وشبكة اجتماعية، ومؤسسة خدماتية، ومرجعية سياسية، والأهم أنّه كان يمثل في نظر كثيرين قوة لا يُستهان بها. وكان الخوف من الاصطدام معه جزءاً من المعادلة التي تضبط سلوك الأفراد والخصوم والحلفاء على حد سواء.
أما اليوم، فيبدو أنّ هذه المعادلة تعرضت للاهتزاز.
ليس لأنّ الحزب فقد حضوره، ولا لأنّ بعلبك انقلبت عليه، ولا لأنّ الناس باتوا جميعاً في موقع معارضته. بل لأنّ الحرب والخسائر والتبدلات السياسية والإقليمية جعلت صورته أقل صلابة مما كانت عليه.
حتى في المدينة التي لطالما اعتُبرت واحدة من أبرز معاقل الحزب، يمكن أن تلمح علامات صغيرة على هذا التغيير: صورة مغبرة، لافتة أقل حضوراً، صورة جديدة لرئيس الجمهورية، وعائلات محلية تختار أن تعلن ولاءها للدولة ورئيسها، ومواطن يقول إنّ «الخوف خفّ». هذه التفاصيل لا تصنع وحدها تحولاً سياسياً. لكنها تقول إنّ شيئاً ما يتحرك تحت سطح بعلبك.
لقد تراجعت هيبة حزب الله قليلاً. وربما يكون هذا التراجع، في حد ذاته، أهم من أي صورة تُرفع على جدار.

