إِبطال العقوبة وأَبطال المشانق

إِبطال العقوبة وأَبطال المشانق

  • ١٥ آب ٢٠٢٦
  • جورج طوق

ads

 

«نخبويّة زائفة»

في مسرح العبث اللبنانيّ، ننغمس بكامل الهمّة والحماسة في ترف نقاشٍ زائف النخبويّة والشكل والادّعاء، حول أبعاد إلغاء عقوبة الإعدام ومدى تقدّميّتها، بعيدًا عمّا قد يدفع بنا سنتيمترًا واحدًا نحو ما يفيد؛ تلك العقوبة التي لا يتخطّى عديدُ مَن طُبّقت بحقّهم في أرشيف الدولة أصابعَ اليد الواحدة طيلة قرنٍ من قيام لبنان.

«الذاكرة الإنتقائيّة»

ليست أوّل مرّة تغفل فيها الذاكرة اللبنانيّة المثقوبة، شديدة الانتقائيّة، قوافلَ مَن قَضَوا بحبال مشانق زعماء الحرب والطوائف والميليشيات وعدالتهم السوداء، رغم جسامة الأعداد، وفظاعة الوسائل، وسهولة الوصول إلى السجلات والتسجيلات والصور والوثائق؛ هناك، حيث لا نصوصَ تُحدّد الجريمة، ولا هيئاتٍ اتّهامية تُطالع الوقائع، ولا محامين يُرافعون عن المتّهمين، ولا قضاةً يَنطقون بالأحكام؛ إشارةٌ واحدة بإصبع البيك أو الزعيم،  أو القائد،  كانت كافيةً لشدّ حبل المشنقة وتحييد مصدر الإزعاج، مهما جرّ ذلك من مآسٍ وسالت إثره من دموع ودماء.

«إبطال المشانقوأَبطالها»

فالمفارقة الكبرى ليست في الجماليّة والفولكلوريّة المصاحِبتَين لشطب الإعدام من قاموس القانون اللبناني، بل في هؤلاء المهلّلين لإبطال مشانق القانون، وأبطال مشانق الميليشيات على حدٍّ سواء؛ تلك المشانق التي عُلّقت على قارعة كلّ طريق، وفي كلّ زقاقٍ وحيّ.

«أسئلة متأخّرة»

أمّا أكثر الأسئلة صعوبةً وجدوى وبديهيّةً، والتي تأخّر طرحها قرنًا كاملًا، فلم تُطرح بعد: أَيأتي اليوم الذي نملك فيه الحَمِيّة القانونيّة ذاتها والجرأةَ غير المهادنة لمواجهة أولئك الذين أداروا مقاصل الموت وأحكام الإعدام، التي لا تُعدّ مواسمُ حصادها ولا تُحصى رقابُ ضحاياها، بالحماسة والفصاحة والنخبويّة نفسها التي نرفض بها مادةً بالية في كتابٍ مهملٍ أصلًا يسمّونه القانون اللبنانيّ؟

«جلّادي بشير وحسن»

وهل نملك النزاهة والشجاعة لرفض أحكام الإعدام؛ أكانت بحقّ بشير الجميّل أم حسن نصرالله، وتلك التي أردت داني شمعون، وكمال جنبلاط، وسمير قصير، وجبران تويني، ولقمان سليم، على تنوّع جلّاديهم؟ وهل يأتي يومٌ نحدّق فيه في عيون مُعتلي قمم الحكم والنفوذ والوجاهة، فنتلو عليهم سجلّ ارتكاباتهم وجرائمهم ومشانقهم، ونُنكر عليهم شرعيّتهم وحصانتهم، ونصرخ في وجوههم: نحن في المطلق ضدّ عقوبة الإعدام؟ أم أنّ إنسانيّتنا تتبختر أمام الفولكلور، وتتوارى خنوعًا أو انتقائيّةً أمام تموضع جلّادٍ موصوفٍ، أو هويّته، أو طائفيّته؟

 

ads
ads