نعيم قاسم بعد نصرالله.. فراغ في الصوت والصورة

نعيم قاسم بعد نصرالله.. فراغ في الصوت والصورة

  • ٣١ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

تكبير صورة نصرالله محاولة بصرية لتعويض الفراغ الذي تركه غيابه. فكلما كبرت صورته في الخلفية، ظهر حجم المساحة التي ما زالت شاغرة في المقدمة.

منذ اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله، لم يكن السؤال الأساسي داخل الحزب وخارجه هو فقط من سيخلفه؟ بل كان السؤال الأصعب: هل يستطيع أي شخص أن يملأ الفراغ الذي تركه نصرالله؟ فالأمين العام السابق لم يكن مجرد مسؤول سياسي أو قائد تنظيمي، بل كان يمثل لعقود طويلة صورة الحزب وصوته ومرجعيته السياسية والإعلامية. لذلك، فإنّ انتقال القيادة إلى نعيم قاسم لم يكن انتقالاً عادياً بين شخصين، بل كان انتقالاً من شخصية ذات حضور استثنائي إلى شخصية مختلفة تماماً في الأسلوب والكاريزما وطريقة التواصل.

لا يعني ذلك أنّ نعيم قاسم يفتقد الكاريزما بصورة مطلقة. فهو شخصية سياسية مخضرمة، ولديه قدرة خطابية ومعرفة واسعة بالبنية التنظيمية والعقائدية للحزب. لكنه يواجه مشكلة أساسية لا تتعلق فقط بقدراته الشخصية، بل بحجم الشخصية التي سبقته. فمقارنة قاسم بنصرالله ليست مقارنة بين أمينين عامين فقط، بل بين نمطين مختلفين من القيادة. نصرالله كان يمتلك حضوراً عاطفياً وجماهيرياً واسعاً، وقدرة على مخاطبة جمهوره عبر لغة تجمع بين السياسة والدين والعاطفة، فيما يبدو قاسم حتى الآن أقرب إلى شخصية تنظيمية داخلية منه إلى قائد جماهيري قادر على إعادة إنتاج صورة الزعيم.

ولعل أكثر المشاهد رمزية بعد تولي نعيم قاسم الأمانة العامة للحزب كان ظهوره الإعلامي الأول، حيث وضع خلفه صورة سلفه. لم يكن وجود الصورة أمراً مستغرباً في حد ذاته، خصوصاً في بيئة سياسية تقدّس رموزها القيادية، لكن اللافت أّنّ الصورة في الإطلالة الثانية بدت أكبر حجماً. وكأنّ تكبير صورة نصرالله كان محاولة بصرية لتعويض الفراغ الذي تركه غيابه. فكلما كبرت صورة القائد الراحل في الخلفية، ظهر حجم المساحة التي ما زالت شاغرة في المقدمة.

المشكلة الأساسية التي يواجهها نعيم قاسم هي قدرته على التواصل مع جمهور يشعر بأنّه فقد قائداً ولم يربح آخر، وخسر جزءاً كبيراً من واقعه الأمني والاجتماعي بعد الحرب. فمنذ أسابيع، لم يسمع اللبنانيون خطاباً من الأمين العام الجديد يخاطب فيه البيئة الشيعية تحديداً، وهي البيئة التي تحملت الجزء الأكبر من تداعيات الحرب، وخسرت قرى وبنى تحتية ومصادر رزقها.

هناك آلاف العائلات في الجنوب تنتظر إجابات بسيطة ومباشرة: متى ستعود إلى قراها؟ هل ستُعاد إعمار المناطق المدمرة؟ كيف ستكون آلية التعويضات؟ هل هناك خطة واضحة للمرحلة المقبلة؟ هذه الأسئلة لا تحتاج فقط إلى مواقف استراتيجية كبرى، بل تحتاج إلى خطاب يطمئن الناس ويشعرهم بأنّ قيادتهم ما زالت حاضرة معهم في تفاصيل حياتهم اليومية.

لكن الصمت كان لافتاً. ففي الوقت الذي تشهد فيه الساحة اللبنانية تحولات كبيرة، لم يكن صوت نعيم قاسم حاضراً البتة. بدأ الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي تطبيق ما يُعرف بخطة "المناطق التجريبية"، في تطور أمني بالغ الحساسية، لأنّه يرتبط مباشرة بمستقبل الجنوب وبشكل العلاقة بين الدولة والحزب، ومع ذلك لم يسمع اللبنانيون موقفاً واضحاً من قيادة الحزب حول هذه الخطوات.

كذلك، عندما التقى الرئيس جوزف عون بنظيره الأميركي في واشنطن، كان اللقاء محطة سياسية مهمة تتعلق بمستقبل لبنان وعلاقاته الدولية ومساره الأمني. لكن مرة أخرى، لم يظهر موقف واضح من قاسم. وعندما بدأ حراك تركي سياسي في لبنان، لم يكن هناك حضور إعلامي واضح للأمين العام لـ"حزب الله" يشرح موقف الحزب من هذا الدور. وحتى الحديث عن احتمال دخول قوات سورية إلى لبنان بطلب أميركي، لم يرافقه تعليق واضح من قيادة الحزب.

هذا الغياب لا يعني بالضرورة غياب القدرة على التأثير. فالحزب لا يزال يمتلك بنية تنظيمية وسياسية وعسكرية، ولا يزال لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية. لكن الفرق أنّ نصرالله كان يملأ المساحة السياسية حتى عندما كان الحزب يواجه أزمات، بينما يبدو نعيم قاسم حتى الآن غير قادر على احتلال المساحة نفسها.

أما في المضمون، فالفرق جليّ بين نصرالله وقاسم. الأول كان يعلق على الأحداث قبل وقوعها، فيؤيد أمراً ويعرقل آخر. فيقول: "نحن في الحزب مع كذا ونحن ضد كذا". كان يحاول رسم مسار الأحداث والتأثير فيها، لا الاكتفاء بالتعليق عليها. أما الثاني، فيبدو أقرب إلى محلل سياسي أو معلق على منصة إعلامية، حيث يعطي رأيه وموقفه بعد وقوع الأمر، فيقول: "نحن نرفض الأمر الذي تم" أو "نحن نتحفظ على الخطوة التي حصلت". بمعنى آخر، انتقل الحزب من قيادة تحاول صناعة الحدث أو توجيه مساره إلى قيادة تراقب الحدث ثم تعلن موقفها منه.

وهذا الفرق ليس تفصيلاً في الأسلوب، بل يعكس تحولاً في طبيعة القيادة. فقد كان نصرالله يمتلك قدرة على خلق لحظة سياسية بمجرد إطلالته، إذ كانت كلماته تُقرأ باعتبارها رسائل سياسية وأمنية مسبقة، وأحياناً كانت تؤثر في حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء. أما قاسم، فلم ينجح حتى الآن في تحويل خطاباته إلى أدوات تأثير، بل تبدو أقرب إلى ردود فعل على وقائع تفرض نفسها.

في النهاية، يبدو أنّ التحدي الأكبر أمام نعيم قاسم ليس فقط أن يكون أميناً عاماً لحزبه، بل أن يثبت أنه قادر على أن يكون المرجعية التي تنظر إليها بيئة الحزب في لحظة الخوف والقلق والانتظار. فالصورة الكبيرة خلفه قد تذكّر الناس بنصرالله، لكنها لا تستطيع أن تنقل حضوره. والفراغ الذي تركه الرجل لا يُملأ بتكبير الصورة، بل بقدرة القائد الجديد على صناعة صورة جديدة. وحتى الآن، لم يصنع قاسم شيئاً من هذا القبيل.