فاليه باركينغ.. إحتلال مقنّع للأملاك العامة

فاليه باركينغ.. إحتلال مقنّع للأملاك العامة

  • ٠٩ تموز ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

استعادة الدولة لدورها عملية تراكمية تبدأ أحياناً من إزالة مخالفات صغيرة.

الفاليه باركينغ في لبنان لم تعد مجرد خدمة لتنظيم ركن السيارات، إنّما  تحولت إلى نموذج لاحتلال الأملاك العامة تحت غطاء الترخيص. فما يفترض أن يكون قطاعاً منظماً يخضع لشروط قانونية صارمة، أصبح في كثير من الأحيان وسيلة لاستباحة الطرقات والأرصفة وتحويلها إلى مصدر أرباح خاصة، فيما تغيب الدولة عن القيام بأبسط واجباتها في الرقابة وتطبيق القانون.

فالقرار رقم ١٥٣٦ الصادر عن وزارتي الداخلية والسياحة حدد بصورة واضحة شروط منح التراخيص لشركات الفاليه باركينغ. فالترخيص يمنح من قبل المحافظ، ويشترط إنشاء مؤسسة قانونية، وتحديد الفنادق والمطاعم المتعاقد معها، وتقديم هويات العاملين وسجلاتهم العدلية وإجازات السوق الخاصة بهم، إضافة إلى اعتماد زي موحد وتأمين عقود تأمين تغطي العاملين والسيارات.

لكن الشرط الأهم في القرار يكاد يكون غائباً عن التطبيق، وهو إلزام الشركة بامتلاك موقف خاص خارج الطريق العام يتسع للسيارات الخاصة بالأماكن المتعاقد معها. فهذا الشرط وضع أساساً لمنع استخدام الطرقات العامة كمواقف خاصة، إلا أنّه بقي حبراً على ورق، فيما أصبحت الأرصفة والشوارع في مختلف المناطق تحت سيطرة شركات الفاليه باركينغ التي تركن السيارات في الملك العام من دون أي مساءلة.

ولم يعد خافياً على أحد أنّ هذا القطاع بات محصوراً بعدد محدود جداً من الشركات، لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، تمكنت، بفعل نفوذ أصحابها، من الحصول على التراخيص وفرض وجودها في السوق. ومع مرور الوقت توزعت هذه الشركات مناطقياً وطائفياً، فأصبحت كل شركة تسيطر على منطقة معينة، ما أدى إلى احتكار شبه كامل للقطاع ومنع أي منافسة فعلية، في مشهد يعكس كيف يمكن للنفوذ أن يحل مكان القانون.

والنتيجة أّن الأملاك العامة تحولت إلى وسيلة لتحقيق أرباح خاصة. فالطرق التي أنشئت من أموال اللبنانيين أصبحت تستخدم كمواقف مجانية لهذه الشركات، فيما يدفع المواطن ثمن خدمة يفترض أن تعتمد أساساً على مواقف خاصة تملكها الشركات أو تستأجرها، كما ينصّ القرار الرسمي. وهكذا يتحقق إثراء غير مشروع من خلال استغلال أملاك الدولة، في ظل غياب شبه كامل للرقابة والمحاسبة.

ولا يحتاج هذا الملف إلى خطط إصلاحية معقدة أو إلى تشريعات جديدة، لأنّ القانون موجود أصلاً، وما ينقص هو تطبيقه. فلو التزمت الإدارات المختصة بما ينص عليه القرار رقم ١٥٣٦، لما تمكنت أي شركة من احتلال الطريق العام أو تحويله إلى جزء من نشاطها التجاري، وبذلك تبقى خدمة الفاليه باركينغ ضمن هدفها الأساسي، وهو خدمة الزبائن لا الاستيلاء على الأرصفة والطرقات العامة.

قد تعجز الدولة اليوم عن حل الأزمات الكبرى التي يعيشها لبنان، لكن ذلك لا يمنعها من البدء بالملفات التي تثبت وجودها وهيبتها. ولعل ملف الفاليه باركينغ هو أحد أبسط هذه الملفات، لأنّ استعادة الدولة دورها  عملية تراكمية تبدأ أحياناً من إزالة مخالفات صغيرة، قبل أن تتمكن من مواجهة الأزمات الكبيرة.