ماذا فعل حزب الله بعقول اللبنانيين؟
ماذا فعل حزب الله بعقول اللبنانيين؟
) من الآثارالخطيرة التي تركها الحزب في الحياة العامة تشويه الدلالات السياسية والأخلاقية لبعض المفاهيم الأساسية والتي تشكل لغة مشتركة بين اللبنانيين
لم يعد السؤال في لبنان: ماذا فعل حزب الله في الحروب وفي السياسة بل ماذا فعل بعقل اللبناني وفي طريقة فهمه للدولة والوطن والهوية؟
فالتغيير الحقيقي الذي أحدثه الحزب لم يقتصر على موازين القوة بل امتدّ الى منظومة التفكير والقيم حتى أصبح الخلاف حوله خلافاً على معنى لبنان نفسه. فالسياسة قد تتبدل والتحالفات قد تتغيّر أما حين تتغير العقول فإنّ آثار ذلك تمتد لأجيال.
لقد أدى احتفاظ الحزب بسلاحه بحجة ردع اسرائيل وحماية الجنوبيين الى تكريس واقع ترى فيه غالبية اللبنانيين أنّ ميزان القوة يتقدّم على منطق المؤسسات، ومع مرور الزمن ترسخت لدى الكثيرين قناعة بأنّ الدولة ليست المرجع النهائي بل أنّ القوة هي التي تحدّد القرار، وبالمقابل نشأ شعور متزايد بأنّ الدولة قد فقدت جزءاً كبيراً من سيادتها وهيبتها وبالتالي قدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري، أضف الى ذلك إنتاج الحزب لثقافة تمجّد التضحية والموت والآخرة على حساب الدنيا والصمود والإنضباط وهي قيم ينظر إليها مريدوه باعتبارها مصدر قوة لكن منتقديه يرون أنّ هذه الثقافة قد همّشت قيماً أخرى لا سيما التعددية والتنوّع والاختلاف والنقد وحياد الدولة ووسّعت الفجوة بين مفهوم «المواطن» ومفهوم «المنتمي» الى مشروع سياسي وعقائدي جهادي.
وربما يكون أخطر ما حدث هو أنّ اللبنانيين لم يعودوا يختلفون فقط حول حزب الله بل أصبحوا يختلفون حول تعريف الدولة والسيادة ومفهوم المقاومة والمصلحة الوطنية، وهناتكمن المشكلة الحقيقية إذ عندما ينقسم المجتمع انقساماً عامودياً حول المفاهيم الأساسية يصبح الحوار أكثر تعقيداً وتصبح التسويات أكثر صعوبة وتبدو أحياناً أكثر استحالة. فخيارات الحزب السياسية والعسكرية أضعفت الدولة وعمّقت الانقسام بحيث لم تعد المقاومة خياراً سياسياً قابلاً للنقاش بل قيمة تأسيسية تقاس عليها المواقف كلها مما منح أنصاره شعوراً بالفخر والثقة والاستعلاء والقدرة والقدرة على مواجهة التهديدات لكنه في الوقت ذاته قد أقفل مساحة النقاش حول سياسات الحزب وارتباطه بالخارج الإيراني إذ إنّ نقد الحزب ينظر إليه على أنّه نقد لمفهوم المقاومة نفسها.
منذ نشأته في ثمانينات القرن الماضي لم يكن الحزب مجرّد تنظيم عسكري أو حزب سياسي بل تحوّل الى ظاهرة مؤثرة في الحياة اللبنانية وقد امتدّ تأثيره الى السياسة والثقافة والمجتمع بل وحتى الى الطريقة التي ينظر بها الكثير من اللبنانيين الى أنفسهم والى دولتهم والى العالم من حولهم بحيث لم يعد الانقسام سياسياً فحسب بل أصبح جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية والنفسية حتى بات اللبنانيون يختلفون في تفسير الأحداث نفسها وفي تعريف المفاهيم نفسها.
إنّ أخطر أشكال الهيمنة ليست السيطرة على الأرض بل السيطرة على اللغة، فعندما يحتكر طرف مؤدلج ومدجج بالسلاح تعريف الكلمات الكبرى مثل الكرامة الوطنية والسيادة والمقاومة يصبح قادراً على إعادة تشكيل وعي الناس لأنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل هي أداة لتحديد ما يُعدّ مشروعاً أو مرفوضاً وطنياً أو خيانة.
ومن الآثارالخطيرة التي تركها الحزب في الحياة العامة تشويه الدلالات السياسية والأخلاقية لبعض المفاهيم الأساسية والتي تشكل لغة مشتركة بين اللبنانيين إذ إنّ كلمات مثل السيادة والكرامة والوطنية والمقاومة لم تعد مفاهيم جامعة يتشارك اللبنانيون في تعريفها بل أصبحت جزءاً من خطاب سياسي مؤدلج يتكرّر خشبياً باستمرار حتى بات يفقد معناه الأصلي، فأصبحت الكرامة في الكثير من الخطابات والإطلالات المتلفزة تُختزل في القدرة على المواجهة العسكرية بينما تغيب كرامة المواطن في عيشه الكريم وفي حريته وحقّه بالحياة وبدولة عادلة ومؤسسات فاعلة، وأصبحت السيادة تستحضر انتقائياً في وجه بعض الداخل والخارج فيما يثار الجدل حول مدى انسجام وجود قوة مسلحة مرتبطة بأجندة خارجية خارج الإطار الكامل للدولة مع مفهوم السيادة ذاتها.
أما الوطنية فقد تحولت الى معيار للولاء السياسي والاجتهاد الديني حتى بدا الاختلاف مع الحزب كفراً وخيانة ونقصاً في الوطنية وانحيازاً للأعداء.
ولعلّ أكثر النتائج مأساوية للصراع في لبنان وما له من تداعيات أنّ جزءاً من اللبنانيين بات ينظر الى اسرائيل التي كانت لعقود طويلة تعدّ العدو الأول باعتبارها أقلّ خطراً من استمرار الواقع الذي فرضته حروب حزب الله ومغامراته العسكرية والانقسامات التي تسبّب بها. فلبنان الذي كان يقول بأنّه آخر من يوقع سلاماً مع اسرائيل بات يهيء نفسه لمثل هذا التوقيع لأنّ الحزب لم يترك للصلح مطرحاً مع الداخل اللبناني ومع الخارج العربي وسدّ منافذ كل الحلول وتمادى في الإنكار والإستعلاء وفي هجاء وتقريع السلطة السياسية اللبنانية الجديدة المشارك فيها والتي هدرت الكثير من الوقت والفرص لإقناعه بتسليم سلاحه، وهذا لا يعني تبدلاً في الموقف الأخلاقي والسياسي من إسرائيل ولا تبرئة لها من الإبادة والتدمير الممنهج والتهجير الذي ألحقته بالجماعات اللبنانية بل يعكس حجم الاحباط والعجز واليأس من القدرة على تغيير الواقع الآسن الذي وصل اليه قسم كبير من اللبنانيين بعد سنوات من الأزمات الحادة والحروب، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أنّ أي انتصار للحزب في حربه مع إسرائيل قد يستغل في إحكام القبضة على الداخل وتخريب التوازنات الدقيقة التي تحكم عيش اللبنانيين معاً، كما يرون أنّ سياسات حزب الله وربط لبنان بمحاور وصراعات إقليمية واحتفاظه بسلاح مستقل عن الدولة وإمساكه بقرار الحرب والسلم بمعزل عن رأي وإرادة الشعب اللبناني، كل هذه الأمور دفعت الناس إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، فأصبح الخوف من استمرار الإنهيار الداخلي يفوق لدى بعضهم الخوف من العدو التاريخي التقليدي.
وهكذا نشأت مفارقة مؤلمة: فبدل أن يكون الإجماع الوطني موجهاً نحو بناء دولة قوية عادلة قادرة على حماية جميع مواطنيها، أصبح المجتمع منقسماً الى حدّ أنّ البعض يرى في أي قوة قادرة على إنهاء حالة الحرب المستمرة والقضاء على المدن المحفورة تحت المنازل وتحت جبال لبنان مخرجاً حى ولو كانت تلك القوة إسرائيل.
هذا التحوّل إن وُجد لا يفهم بوصفه تعاطفاً مع إسرائيل وتلذّذها بالقتل والخراب بقدر ما يراه أصحابه تعبيراً عن اليأس بعد أن سدّ الحزب أذنيه على مناشدات الداخل والخارج لتسليم سلاحه الى الدولة. كل ذلك مؤشر على عمق الأزمة الوطنية حين تدفع سنوات الصراع وكلفته الكبيرة بعض الناس الى إعادة النظر في مسلمات كانت تبدو راسخة نتيجة الخوف وفقدان الثقة بمستقبل الدولة ونظامها السياسي وقدراتها.
وهكذا فإنّ السؤال الأهم في التجربة اللبنانية ليس ما فعل aحزب الله في الحرب والسياسة بل ماذا فعل في الوعي اللبناني بتحويله القيم الوطنية المفتوحة للجميع الى شعارات تتحايل على المصطلحات لاستخدامها في التعبئة والاستقطاب وبتحويله اللبنانيين الى دروع بشرية ورهائن لمشاريع فئوية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

