إلى نواف سلام.. عليك بأرشيف موريس الجميّل
إلى نواف سلام.. عليك بأرشيف موريس الجميّل
حكومة الرئيس نواف سلام، رغم كل الملفات الثقيلة التي وُضعت على طاولتها، لم تحصر عملها بإدارة الأزمات الأمنية والسياسية، بل حاولت أن تُبقي باب التنمية مفتوحاً.
وسط الضجيج الذي يملأ المشهد اللبناني، من مستقبل سلاح فرض نفسه على النقاش العام، إلى الجهد الدبلوماسي لتثبيت سيادة الشرعية اللبنانية على أرضها، يكاد يضيع خبر من النوع الذي يحتاجه اللبنانيون أكثر من أي وقت مضى: أن الدولة لا تزال تحاول أن تبني.
وهذه، بحد ذاتها، نقطة تستحق الإشادة. فحكومة الرئيس نواف سلام، رغم كل الملفات الثقيلة التي وُضعت على طاولتها، لم تحصر عملها بإدارة الأزمات الأمنية والسياسية، بل حاولت أن تُبقي باب التنمية مفتوحاً. وكان افتتاح العمل بمشروع مطار القليعات إشارة جدية إلى أنّ الدولة تستطيع، حتى في أصعب الظروف، أن تفكر بما بعد الأزمة.
ثم جاء إعلان الرئيس سلام أنّ المشروع التالي سيكون نفقاً يربط جبل لبنان بالبقاع بالشراكة مع القطاع الخاص، ليؤكد أنّ التفكير لم يعد يقتصر على إدارة الانهيار، بل بدأ يلامس بناء المستقبل.
وهنا، ربما يمكن توجيه اقتراح بسيط إلى رئيس الحكومة. إذا كان لبنان يبحث اليوم عن مشاريع تنموية كبرى، فإنّ جزءاً كبيراً منها موجود أصلاً... في الأرشيف. أرشيف موريس الجميّل.
والجميّل هذا، لم يكن مجرد نائب ووزير في الجمهورية اللبنانية، بل كان واحداً من أكثر الشخصيات التي آمنت بأنّ بناء الدولة يبدأ بالتخطيط العلمي لا بردود الفعل. كان رجل دولة ورائد للتصميم عن حق.
فقبل أكثر من نصف قرن، وضع عشرات الدراسات والمشاريع التي تناولت المياه، والأنفاق، والطرق، واللامركزية الإنمائية، والتنمية المتوازنة، واستثمار الموارد الطبيعية، وتطوير البنى التحتية، ورسم رؤية متكاملة للبنان الذي كان يحلم به.
هذا الإرث الفكري محفوظ اليوم في جامعة الروح القدس - الكسليك، ويضم كنزاً حقيقياً من الدراسات والمخططات التي سبق كثير منها زمنه بعقود.
قد يكون من المفيد أن يفتح فريق العمل الحكومي هذا الأرشيف. ليس لأنّ كل مشروع فيه صالح للتنفيذ كما هو، بل لأنّ الأفكار الكبرى تنتظر اللحظة التي تجد فيها دولة مستعدة لإحيائها.
كم من مشروع للمياه لا يزال صالحاً اليوم؟ وكم من فكرة عن الأنفاق أو شبكات النقل أو التخطيط الإقليمي يمكن تحديثها بدل البدء من الصفر؟ وكم من رؤية للتنمية المتوازنة لا يزال لبنان يحتاج إليها بعدما أثبتت الوقائع أن المركزية عمّقت الفوارق بين مناطقه؟
لا تحتاج الدولة دائماً إلى اختراع المستقبل. أحياناً يكفي أن تعود إلى أفضل ما أنجبه ماضيها. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله حكومة تتحدث اليوم بلغة التنمية، هو أن تستفيد من عقول اللبنانيين الذين سبقوا عصرهم، وأن تعيد تحويل أفكارهم إلى مشاريع على الأرض.
لا يعاني لبنان من فقر في الأفكار، بل من فقر في استثمارها. ولذلك، وبينما يخطط الرئيس نواف سلام لمطار، ولنفق جديد، ولمشاريع شراكة مع القطاع الخاص، ربما يجدر بأحد أن يضع على مكتبه صندوقاً واحداً يحمل عنواناً بسيطاً: «أرشيف موريس الجميّل».
فقد يكون فيه ما يساعد على بناء لبنان الذي تأخر كثيراً.

