إتفاق الإطار وخيارات حزب الله

إتفاق الإطار وخيارات حزب الله

  • ٣٠ حزيران ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

رغم ارتفاع الأصوات التي تتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والجيش بالضعف، فإنّ الوقائع تشير إلى أنّ السلطة قرار سياسي. وما إن اتُخذ القرار حتى بدأت موازين القوى تتغير..

في لحظة واحدة، لم يعد السؤال من يحكم لبنان، بل أي مشروع سيحكمه. فمع توقيع اتفاق الإطار في واشنطن، لم يُرسم فقط مسار جديد للدولة اللبنانية، بل رُسم أيضاً خط فاصل بين مشروعين متناقضين داخل لبنان: مشروع الدولة التي تريد احتكار قرارها السيادي، ومشروع حزب الله الذي لا يزال يرى مستقبل لبنان مرتبطاً بالاستراتيجية الإيرانية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ممكناً الجمع بين المشروعين، لأنّ الاتفاق وضع الجميع أمام خيار واضح لا يحتمل المنطقة الرمادية.

لم يكن اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن مجرد تفاهم سياسي أو أمني، بل شكّل محطة مفصلية كرّست شرخاً عمودياً بين الدولة اللبنانية وحزب الله. فالرسالة الأساسية التي حملها الاتفاق هي تثبيت مرجعية الدولة اللبنانية، ومنح الحكومة ورئاسة الجمهورية والمؤسسات الشرعية حقّ قيادة البلاد واتخاذ القرارات السيادية بعيداً عن أي نفوذ موازٍ أو وصاية خارجية. وبذلك انتقل لبنان إلى مرحلة جديدة عنوانها أنّ القرار الرسمي هو المرجعية الوحيدة في القضايا الوطنية الكبرى.

في المقابل، ينطلق حزب الله من رؤية مختلفة تماماً، فهو لا يزال يعتبر أنّ مستقبل لبنان يجب أن يبقى مرتبطاً بالمسار الإيراني، وأنّ أي تسوية داخلية لا يمكن فصلها عن التفاهمات الإقليمية التي تخص طهران. لذلك يرى الحزب أنّ الاتفاق لا يمكن أن يصبح المرجعية النهائية ما لم ينسجم مع حسابات المحور الذي ينتمي إليه. ومن هنا يصبح الحزب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانضواء تحت سقف الدولة والالتزام بالاتفاق الجديد، وإما الانقلاب عليه ومحاولة إسقاطه.

حتى الآن يبدو أنّ الحزب اختار الخيار الثاني، لكنه يحاول القيام بذلك ضمن حدود معينة. فهو يسعى إلى الاعتراض ورفع مستوى الخطاب السياسي وإثارة الانقسامات الداخلية، من دون الذهاب إلى حد الانسحاب من الحكومة أو إسقاط مؤسسات الدولة بالكامل. كما قد يحاول تنفيذ عمليات محدودة ضد إسرائيل تبقي عنوان «المقاومة» قائماً، لكنها لا تصل إلى مستوى مواجهة واسعة قد تؤدي إلى انهيار الاتفاق أو إشعال حرب شاملة. فهو يدرك أنّ أي تصعيد كبير قد يعرّضه لضغوط داخلية وخارجية أكبر، لذلك يحاول الجمع بين الاعتراض والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار، بانتظار ما قد تحمله التطورات الإقليمية من متغيرات.

إلا أنّ هذه المقاربة تحمل في طياتها نقطة ضعف أساسية. ففي السياسة كما في التاريخ، لا وجود لنصف انقلاب. فإما أن يقرر أي طرف مواجهة كاملة وإسقاط الواقع الجديد، وإما أن يقبل به وينضم إليه. أما أنصاف الحلول فلا تعكس القوة، بل تعكس عجز صاحبها عن الحسم وعدم قدرته على فرض خياره بالكامل، لأنّ من يرفض اتفاقاً لا يستطيع في الوقت نفسه الاستفادة من نتائجه والبقاء تحت مظلته.

لذلك، ورغم ارتفاع الأصوات التي تتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والجيش بالضعف، فإنّ الوقائع تشير إلى أنّ السلطة هي في نهاية المطاف قرار سياسي. وما إن اتُخذ القرار حتى بدأت موازين القوى تتغير، وظهر أنّ قدرة حزب الله على فرض إرادته لم تعد كما كانت، وأنّ هامش حركته أصبح أضيق بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية. فإدارة الدولة لا تُقاس بحجم الخطابات، بل بقدرتها على تنفيذ القرارات التي تتخذها عندما تتوافر الإرادة السياسية لذلك.

من هنا، يصبح بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وتجريد حزب الله من سلاحه مسألة وقت إذا استمر الاتفاق في الصمود وتوفرت الإرادة السياسية لتنفيذه. أما الرهان الوحيد الذي يبقى أمام الحزب، فهو أن يفشل هذا الاتفاق، وأن تتمكن طهران من تقويضه أو تغيير الظروف الإقليمية بما يسمح بإعادة خلط الأوراق وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لذلك ستكون المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً، ليس فقط لقدرة الدولة على تنفيذ الاتفاق، بل أيضاً لقدرة حزب الله على الاستمرار في الرهان على متغيرات خارجية قد لا تأتي بالنتائج التي ينتظرها.