المخدرات .. بين الضبط الأمني والإنقاذ الإنساني

المخدرات .. بين الضبط الأمني والإنقاذ الإنساني

  • ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
  • ناتالي أبو حرب

لم تعد المخدرات مجرد ملف أمني مرتبط بالمداهمات وضبط الشحنات، بل تحولت إلى تهديد مباشر يطال العائلات والمجتمع بأسره.

في السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يُحيي العالم اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، لكن في لبنان تبدو هذه المناسبة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فمع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، باتت المخدرات واحدة من أخطر التحديات التي تهدد الشباب والعائلات، بعدما تحولت من ظاهرة محدودة إلى ملف يفرض نفسه على المجتمع والأجهزة الأمنية والقطاع الصحي.

خلال السنوات الأخيرة، كثّفت القوى الأمنية عملياتها، وأعلنت مراراً عن ضبط كميات ضخمة من حبوب الكبتاغون والحشيشة والكوكايين والمواد المخدرة، إضافة إلى توقيف شبكات تعمل في الترويج والتهريب داخل لبنان وعبر حدوده. إلا أن هذه الضربات، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالمشكلة لا تنتهي عند التاجر أو المروّج، بل تبدأ غالباً مع شاب يبحث عن الهروب من ضغط الحياة، أو مراهق وقع ضحية تجربة اعتقد أنّها "كلّا مرّة خلّينا نجرّب".

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنّ شخصاً من بين كل ١٧ شخصاً حول العالم بين عمر ١٥ و٦٤ عاماً تعاطى نوعاً من المخدرات خلال العام الماضي، فيما لا يحصل سوى واحد من كل ١١ شخصاً يعانون من اضطرابات الإدمان على العلاج الذي يحتاج إليه. هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الذي يواجهه لبنان أيضاً، في ظل تراجع الإمكانات الصحية والاجتماعية.

وفي لبنان، لا تبدو هذه الأرقام بعيدة عن الواقع. فالأزمة الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، والضغوط النفسية والاجتماعية، كلها عوامل ساهمت في زيادة هشاشة فئة الشباب أمام خطر الإدمان. وفي المقابل، تواصل الأجهزة الأمنية تنفيذ عمليات دهم وتوقيف وضبط شحنات مخدرات كانت معدّة للترويج محلياً أو للتهريب إلى الخارج، في مؤشر إلى أنّ لبنان لا يواجه فقط تحدي التعاطي، بل أيضاً تحدي شبكات الاتجار.

ورغم الصورة القاتمة، لا يزال الأمل موجوداً. فالجمعيات المتخصصة ومراكز العلاج تؤكد أن الإدمان مرض يمكن التعافي منه إذا توافرت المساعدة في الوقت المناسب، وأن الوقاية تبقى الخطوة الأهم. فالحوار داخل الأسرة، والتوعية في المدارس والجامعات، ومراقبة الأهل، كلها عوامل قد تمنع شاباً من اتخاذ قرار يغيّر حياته إلى الأسوأ.

في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، الرسالة في لبنان ليست فقط ملاحقة المهرّبين، بل حماية الإنسان قبل أن يصبح ضحية. لأنّ إنقاذ شاب من الإدمان لا يعني إنقاذ فرد واحد فحسب، بل حماية عائلة كاملة، والحفاظ على مستقبل مجتمع بأكمله.

 

دراسات:

 

https://www.unodc.org/unodc/ar/press/releases/2025/June/unodc-world-drug-report-2025_-global-instability-compounding-social--economic-and-security-costs-of-the-world-drug-problem.html

https://www.moph.gov.lb/userfiles/files/HealthCareSystem/Mother%26ChildHealth/School%20Health/Lebanon%20GSHS%202024%20-%20Arabic%20Executive%20Summary.pdf