كيف تخسر وتحتفل.. وكيف تربح وتنوح؟

كيف تخسر وتحتفل.. وكيف تربح وتنوح؟

  • ١٨ حزيران ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

بلد قد يكون الوحيد في العالم الذي ينجح فيه الجميع بإقناع أنفسهم بأنّهم على حقّ، وأنّهم منتصرون، وأنّهم ضحايا، في الوقت نفسه.

ثمة شيء سريالي في لبنان لا يُرى في أي مكان آخر. في معظم دول العالم، توجد علاقة بسيطة بين الواقع والشعور به. من يربح يشعر بأنّه ربح. ومن يخسر يدرك أنّه خسر. أما في لبنان، فتبدو هذه القاعدة معطلة منذ زمن طويل.

هنا، يستطيع المهزوم أن يحتفل بالنصر وسط الركام. ويستطيع المنتصر أن يجلس وسط المكاسب وهو مقتنع بأنّه ضحية مهزومة. كأنّ اللبنانيين لا يعيشون الوقائع كما هي، بل يعيشون الروايات التي ينسجونها حولها.

والحقيقة أنّ الأمر لا يتعلق فقط بالحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، بل ببنية نفسية تراكمت عبر عقود طويلة من الصراع الطائفي. فلبنان، مهما حاولنا تجميل الصورة، ليس دولة وطنية مكتملة بالمعنى التقليدي. هو مجموعة طوائف كبيرة وصغيرة تتنافس باستمرار على النفوذ والحضور والسلطة والموارد والرمزية السياسية.

أما القاعدة غير المعلنة التي تحكم الحياة السياسية اللبنانية فبسيطة جداً وقاسية جداً في آن واحد: ما تكسبه طائفة تخسره تلقائياً أخرى. وما تخسره طائفة تعتبره أخرى مكسباً لها.

قد لا يكون هذا جميلاً أو أخلاقياً، لكنه الواقع الذي يحكم معظم الحسابات السياسية في البلاد. لهذا السبب، لا تنظر الطوائف اللبنانية إلى الأحداث من زاوية وطنية موحدة، بل من زاوية ميزان القوى الخاص بها.

الحرب الأخيرة والتسوية الأميركية - الإيرانية نفسها لا تُقرأ بالطريقة نفسها. والانتصار نفسه لا يعني الشيء نفسه للجميع. وحتى الخراب نفسه قد يحمل معانٍ متناقضة تماماً بحسب الجهة التي تنظر إليه.

طوال الحرب الأخيرة تعرضت البيئة الشيعية في لبنان لضربة هائلة. دُمرت قرى. تهجر سكان. سقط قتلى. تضررت البنية العسكرية للحزب. استنزفت موارده البشرية والتنظيمية. وتعرض مشروعه السياسي والعسكري لاختبار قاسٍ. ومع ذلك، لا يزال قسم كبير من جمهوره يشعر بالنصر.

ليس لأنّ الوقائع المادية توحي بذلك، بل لأنّ الحزب أمضى أربعين عاماً يبني ثقافة كاملة قائمة على فكرة الانتصار الدائم.

في هذه الثقافة، لا تشكل الخسائر دليلاً على الهزيمة. ولا يشكل الدمار مؤشراً على الفشل. ولا يؤدي اختلال موازين القوى إلى مراجعة الخيارات. كل ما يحدث يُعاد تفسيره ضمن الرواية نفسها: نحن منتصرون.

النتيجة أنّ مفهوم الهزيمة نفسه يصبح شبه مستحيل. فإذا كانت كل النتائج تؤدي إلى الاستنتاج ذاته، تنتفي الحاجة إلى النقد والمحاسبة والمراجعة. ويصبح الواقع مجرد مادة خام لإنتاج السردية نفسها مرة بعد مرة.

لكن المفارقة أنّ الجهة المقابلة، من طوائف وأحزاب غير شيعية تعاني مرضاً معاكساً. فهناك شريحة واسعة من اللبنانيين أمضت العقود نفسها وهي تعيش داخل رواية الهزيمة الدائمة. رواية تقول إنّ البلد ما عاد لها. وإنّ الآخرين أقوى منها دائماً. وإنّ التسويات تُعقد على حسابها. وإنّ التاريخ يتحرك ضدها باستمرار.

وهكذا، حتى عندما تحدث تحولات كبيرة في ميزان القوى، وحتى عندما تتغير وقائع كانت تبدو ثابتة لعقود، يبقى الشعور نفسه حاضراً: نحن مهزومون.

وكما أنّ ثقافة النصر الدائم تمنع رؤية الهزائم، فإنّ ثقافة الهزيمة الدائمة تمنع رؤية الانتصارات. في الحالتين، يصبح الواقع ثانوياً. لا أحد يقرأ ما يحدث فعلاً. الجميع يقرأ ما يريد أن يراه. الجميع يحوّر الحقيقة والواقع ليراهما كما يشعر.

وهنا تكمن المأساة اللبنانية.

فالسياسة الطبيعية تحتاج إلى القدرة على التمييز بين النجاح والفشل. بين المكسب والخسارة. بين ما نجح وما أخفق. أما عندما يتحول النصر إلى عقيدة مسبقة، والهزيمة إلى عقيدة مسبقة أيضاً، فإنّ السياسة تتحول إلى دين مغلق لا إلى ممارسة عقلانية. في هذه الحالة، لا يعود المهزوم قادراً على الاعتراف بهزيمته. ولا يعود المنتصر قادراً على الاستفادة من انتصاره.

الأول يعيش في عالم من الأوهام المريحة. والثاني يعيش في عالم من المخاوف المزمنة. وبين أوهام المنتصرين وعقد المهزومين، يبقى لبنان عالقاً في مكانه. بلد قد يكون الوحيد في العالم الذي ينجح فيه الجميع بإقناع أنفسهم بأنّهم على حقّ، وأنّهم منتصرون، وأنّهم ضحايا، في الوقت نفسه.

بلد يقف فيه الناس أمام المشهد ذاته، فيرى الحزب نصراً تاريخياً رغم هزيمته، بينما يرى الآخرون هزيمة تاريخية رغم عدم خسارتهم لشيء.

وربما لهذا السبب تحديداً لا يتعلم أحد شيئاً. فالذين يعتقدون أنّهم انتصروا لا يراجعون أنفسهم. والذين يعتقدون أنّهم هُزموا لا يثقون بأنفسهم.

وهكذا تستمر اللعبة اللبنانية القديمة: مهزوم يحتفل، ومنتصر ينوح، وبلد كامل يدور في الحلقة نفسها منذ عقود.