عاشوراء، التاريخ العام، لبنان، الشيعة، جبل عامل، التاريخ، الهوية، النزاع، التراث، الذاكرة

عاشوراء، التاريخ العام، لبنان، الشيعة، جبل عامل، التاريخ، الهوية، النزاع، التراث، الذاكرة

  • ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
  • شارل الحايك

يشكّل إحياء عاشوراء عنصراً بارزاً في التراث الثقافي اللامادي اللبناني، غير أنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي، لا من زاوية الأنثروبولوجيا ولا من منظور دراسات التراث، باستثناء عدد محدود من الدراسات القيّمة (1). ويمكن تفسير هذه الفجوة، جزئياً، بالتاريخ الديموغرافي والاجتماعي للمجتمع الشيعي اللبناني: فحتى النصف الثاني من القرن العشرين، ظلّ هذا المجتمع في معظمه ريفياً. وتوثيق التراث الريفي في لبنان يطرح تحديات كبيرة، لعدم توفر المصادرالمكتوبة، أو لوصولها إلينا مجتزأة، أو لإنعدامها كليًا.  

وقد فاقمت التحولاتُ السياسية التي أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979 وتأسيس حزب الله عام 1985، من هشاشة هذا السجل الوثائقي المتناثر.فضمن إعادة الهيكلة الشاملة للمجتمع الشيعي في لبنان، تحوّل إحياء عاشوراء إلى تجمّع جماهيري حاشد، رافقته طقوس وألحان جديدة، وأشكال احتفالية مستحدثة. التحوّل سمةٌ طبيعية في كل تراث حيّ، لكن التعبير اللبناني الخاص بعاشوراء تراجع أمام هذا المدّ. وحين يحصل هذا التراجع في ظلّ ضعف التوثيق المسبق، يغدو ضرباً من المحو الثقافي.

وقد تضاعف هذا المحو بفعل الدمار الذي خلّفته الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله على جنوب لبنان. ولا يزال الحجم الكامل للخسائر مجهولاً، ولا نملك تقديرًا لما خسرناه من مجموعات خاصة، ومكتبات، وآثار، وأرشيف خاص كان من شأنها إلقاء الضوء على هذا التراث. فأين نبحث، إذًا، عن عاشوراء لبنانية؟

المحطة الأولى هي المصادر المكتوبة. تقدّم حوليات الركيني، التي دوّنها حيدر رضا الركيني وابنه مجهول الاسم بين عامَي 1749 و1832، نافذةً قيمة على الحياة اليومية والتحولات السياسية والمجتمع في جبل عامل، من منظور أسرة فلاحية (2). يستخدم حيدر مصطلح المتاولة في الحولية للتعريف بالمجموعة التي ينتمي إليها، وهي التسمية المحلية للشيعة الاثني عشرية في جبل عامل والبقاع وجبل لبنان. وتتضمّن إشارة وحيدة إلى "الحاج سليمان جابر" الذي "سافر لزيارة الحسين"، أي زيارة مرقد الامام في كربلاء. ولكن الحولية تخلو من أي ذكر لعاشوراء.

يستوجب هذا الغياب تأملاً دقيقاً. مؤخرًا، يتم تداول رواية في الخطاب العام على التسليم بأن الشعائر الشيعية كانت محظورة في عهد السلطنة العثمانية، وقد يصحّ ذلك فيما يخص الحواضر والمدن. أما الأرياف، فكانت مساحات خارج نطاق السيطرة المباشرة في أكثر الأحيان، ولا يُوجد فيها أي حضور عسكري عثماني يُنفّذ مثل هذا الحظر. فضلاً عن ذلك، ظلّ جبل عامل وبعلبك، وكلاهما منطقتان ذو غالبية شيعية، تحت قيادة محلية شيعية طوال معظم الحقبة العثمانية، مما أتاح ممارسة شعائر عاشوراء بمعزل عن رقابة السلطنة. ويؤكد ذلك ما كتبه الطبيب الأرمني جون وورتابيت، أحد الآباء المؤسسين للجامعة الأميركية في بيروت، في سرديةٍ نادرة تعارض الروايات السائدة عن الاضطهاد، وردت في كتابه "أبحاث في أديان سوريا" الصادر عام 1860. إذ يقول في وصفه لعاشوراء:

"يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في الحداد والندب، إحياءً لذكرى استشهاد الحسين. وفي تلك الأيام يتلون سيرة طويلة مؤثرة تروي وقائع تلك المناسبة، ويتوقفون عن العمل، ويسمّونها الأيام العشر."(3)

ومن جوانب الممارسة المحلية التي تحفظها الذاكرة الشفهية والمجموعات الخاصة، استخدامُ مجموعة من النصوص والمراثي والأدعية وصلوات الزيارة التي كانت تُتلى في إحياء عاشوراء، وتُعرف في جبل عامل محلياً بـ"السفينة"(4). غير أن المخطوطات المتوفرة منها لم تُدرس أكاديمياً حتى اليوم.

وما وراء ملاحظات وورتابيت الخارجية، يمكن العثور على منظور محلي أكثر تفصيلاً في سيرة السيد محسن الأمين (1865–1952)، كبير المصلحين الشيعة من جنوب لبنان، الذي يقدّم شهادة نفيسة عن احياء عاشوراء في طفولته في جبل عامل حوالي عام 1880 (5). يوضح أن مجالس العزاء كانت مطوّلة، تُعقد ليلاً، وتُستقى من كتاب يُسمى "المجالس" الذي كتب فيالبحرين. ويضيف أن هذه التجمّعات كانت تمتد ليلاً حتى ليلة العاشر، مشيراً إلى أنها:

"...وهذه المجالس ليس من شرطها ترك التدخين في اثنائها ولا ترك الكلام احيانا بل هي اشبه بالقصص التي تتلى في المقاهي في هذا العصر ..."

ويكتب أيضاً أن العمل كان يتوقف يوم العاشر، حين يُتلى مقتل أبي مخنف(6)، ثم تعقبها زيارة عاشوراء (7) وفي روايته نجد الإشارة إلى الرابط بين الهريسة وعاشوراء، مع شرح أبعادها الاجتماعية، إذ يقول:

"...ثم يؤتى بالطعام الى المساجد وني الغالب يكون من الهريسة فيأتي كل انسان بقدر استطاعته..."

تعد هذه الوصفة من أعرق الاطباق في المشرق. فالقمح يُزرع في هذه المنطقة منذ ما يقارب اثني عشر ألف سنة، وتم تدجين الماشية منذ نحو ستة آلاف عام؛ والجمع بينهما في طبق واحد يمثّل تضحية جسيمة، كانت تاريخياً حكراً على المناسبات الكبرى. فالمجتمعات الريفية نادراً ما كانت تستهلك اللحم، وذبح الماشية كان قراراً اقتصادياً ثقيل الوطأة. وفوق ذلك، لا يمكن لهذه الوليمة أن تقوم إلا على المستوى الجماعي؛ لا تُعدّها أسرة بمفردها. وهذا ما يجسّده وصف الأمين بدقة، إذ يقول:

    "... فيأكل منه الفقراء ويأكل منه قليلا الأغنياء للبركة   ويفرق منه على البيوت كل ذلك تقربا الى الله تعالى عن روح الشهيد ابي عبد الله الحسين ( ع) ..."

هذه إحدى الشهادات المحلية النادرة القليلة التي تصف طريقة إحياء عاشوراء قبل دخول عناصر من الطقوس العراقية. وقد جاء بها الشيخ موسى شرارة، وهو استاذ الأمين، حين عاد من العراق حاملاً معه كتاب مجالس مختلفاً عن المعتمد في جبل عامل، وكتاب مقتل ابن طاووس، على النحو المتعارف عليه في العراق (8).

ووصل في بدايات القرن العشرين نفوذ إيران القاجارية. فقد أسهم شخصان في إدخال ممارسات إحياء عاشوراء القاجارية إلى النبطية مطلع القرن العشرين. الأول هو الشيخ عبد الحسين صادق (1862–1942)، الذي أسّس حسينية النبطية عام 1909، وكانت الأولى من نوعها في بلاد الشام. وهي وليدة مباشرة للتأثير الفارسي، وباتت منذ ذلك الحين القاعة الرئيسية في النبطية التي تُقام فيها مجالس عاشوراء. والثاني هو إبراهيم المِيرزا، وجيه إيراني فرّ بعائلته لأسباب سياسية، كان يزور النبطية بصفة دورية قبل أن يستقرّ فيها ويتزوّج من أسرة شيعية محلية حوالي سنة ١٩١٩. وقد عمل مساعداً للدكتور بوست في الكلية السورية الإنجيلية ببيروت(9)، ويُنسب إليه إدخال ممارسة التطبير، أي إدماء الرأس، غير أن علماء جبل عامل رفضوه في مرحلة مبكرة جداً.

سرعان ما اكتسب هذا التراث طابعاً محلياً، ومزج التأثير الفارسي، والعراقي بالأخص في إعادة تمثيل واقعة الطفّ في "البيدر" الشهير في النبطية. وتوطّد حتى اكتسب طابعاً جماعياً مشتركاً، إذ كان المسيحيون يحضرون لمشاهدة إعادة تمثيل معركة كربلاء النبطية.

الى جانب السجل الكتابي، تحفظ الذاكرة الشفهية بُعداً آخر لا غنى عنه. وفقاً لشهادات جُمعت من أهالي جبل عامل، كانت قارئة العزاء، أي المرأة التي تتولى إنشاد المراثي، حاضرةً باستمرار طوال أيام عاشوراء العشرة. كانت تُنشد المراثي باللهجة المحلية وعلى ألحان عامليّة، مستقيةً من الزجل ومن التراث المشترك بين مختلف طوائف المنطقة. وتبقى وثيقة بصرية نادرة شاهدةً على ذلك: مقطع مصوّر للحاجة حسيبة هاشم بدير (1926–1992)، ابنة النبطية، في إحدى آخر ظهوراتها العامة، وهي تُنشد بصوت جهوري مهيب فوق الميدان، في مرثية تستعيد حواراً بين زينب والحسين.

أما الوثائق المتعلقة بقارئات العزاء شحيحة إلى حدّ مؤسف. وتُشير شهادات عدد من أهالي جبل عامل إلى أن هذا التقليد لا يزال حياً، وإن كان قد انتقل من الفضاء العام إلى نطاق الحياة الخاصة.

لم يكن تراث عاشوراء اللبنانية موثَّقاً إلا توثيقاً شحيحاً في البداية، ثم طالته تحولات ثقافية عميقة، وجاء الدمار المادي الهائل ليُثقل الكاهل. فما الذي ينبغي فعله؟ التوثيق المتوفر، مجزَّأً كان أم ناقصاً، يفتح الطريق نحو إعادة رسم صورة عاشوراء اللبنانية، لكن هذا السبيل يتوقف قبل كل شيء على التاريخ الشفهي.

الأولوية الملحّة اليوم هي المبادرة الفورية والمنهجية إلى مقابلة الجيل الأكبر سناً، أولئك الذين عاشوا هذا التراث قبل عام 1979، ما دامت شهاداتهم في متناول اليد. فرواياتهم تحمل عناصر تراثية تصل الحاضر بماضٍ أعمق، والعمل على جمعها تحدي راهنٌ وعاجل بكل المقاييس. فاستعادة عاشوراء اللبنانية تنطوي على إمكانية استعادة الانتماء في الجذور المحلية، وتعميق الفهم التاريخي لدى جميع اللبنانيين لتراث ثقافي مشترك في تنوّعه. فبعد عقود من الخطاب السياسي والحروب التي أنتجت التدمير والمحو، لا يمكن بناء المستقبل على فراغ الذاكرة الثقافية. العمل على الإنصات يجب أن يبدأ الآن، قبل أن يصبح هذا التراث في طيّ النسيان.

شارل الحايك أستاذ تاريخ ومؤسّس منصة تراث وجذور

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة مواقف NOW.

الهوامش

(1) Sabrina Mervin, "'Âshûrâ': Some Remarks on Ritual Practices in Different Shiite Communities(Lebanon and Syria)"، في: Alessandro Monsutti, Silvia Naef, and Farian Sabahi, The Other Shiites: From the Mediterranean to Central Asia (Peter Lang, 2007)، ص. 137–147. ⟨halshs-01859502⟩

(2) https://archive.org/details/1163-1247-1749-1832/page/n31/mode/1up

(3) John M. D. Wortabet, Researches into the Religions of Syria (London: James Nisbet, 1860)، ص. 272.

(4) https://jabalamelah.blogspot.com/2021/08/blog-post_11.html

(5) https://archive.org/details/3_20220129_20220129_2247/

(6) لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي (ت. 773م)، المعروف بأبي مخنف، مؤرّخ مسلم مبكّر يُعدّ من أقدم الكتّاب النثريين العرب. أخباريٌّ برز بوصفه مرجعاً أساسياً في التقاليد التاريخية العراقية المبكرة، واستند إليه الطبري كثيراً في تاريخه.

(7) زيارة عاشوراء دعاء يتلوه الشيعة تعظيماً للإمام الحسين بن علي وشهداء معركة كربلاء.

(8) مقتل ابن طاووس، المعروف بـ"اللهوف على قتلى الطفوف"، من أشهر الكتب الشيعية الكلاسيكية وأوسعها انتشاراً في استعراض أحداث استشهاد الإمام الحسين. صنّفه الفقيه والمتكلّم والمؤرّخ السيد رضي الدين علي بن موسى ابن طاووس الحلي (ت. 1266م).

(9) SPC: الكلية السورية الإنجيلية، أسّسها مبشّرون أميركيون في بيروت بوصفها أول جامعة حديثة في الشرق الأوسط، وأعيد تسميتها عام 1920 الجامعة الأميركية في بيروت (AUB).