الجنوب في الحرب.. ماذا بقي من شعارات الإنتصار؟

الجنوب في الحرب.. ماذا بقي من شعارات الإنتصار؟

  • ٠٢ حزيران ٢٠٢٦

المشكلة ليست في الحرب وحدها، بل في غياب أي مراجعة جدية لنتائجها وتداعياتها

في كل حرب تنتهي، يبقى سؤال واحد يفرض نفسه على الناس قبل السياسيين: ماذا ربحنا وماذا خسرنا؟ وفي جنوب لبنان تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، بعدما وجد عشرات الآلاف من المواطنين أنفسهم أمام واقع قاسٍ من الدمار والنزوح والخسائر الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، فيما لا تزال بعض الخطابات السياسية تتحدث بلغة الانتصارات الكبرى والمشاريع الإقليمية.

لسنوات طويلة، بُنيت سردية كاملة مفادها أنّ السلاح خارج إطار الدولة يشكل الضمانة الأساسية لحماية الجنوب. لكن الوقائع التي أفرزتها الحرب الأخيرة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول كلفة هذا الخيار ونتائجه. فالقرارات المصيرية التي ترتب عليها فتح جبهات المواجهة لم تكن ثمرة توافق وطني شامل أو قرار صادر عن المؤسسات الدستورية اللبنانية، بل جاءت ضمن حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية نفسها.

المشكلة لا تكمن فقط في الحرب وما تخلّفه من دمار، بل في الفجوة المتزايدة بين الشعارات والواقع على الأرض. فعندما تُرفع شعارات الانتصار فيما تعاني مناطق واسعة من آثار الدمار وتعجز الدولة عن معالجة تداعيات الحرب، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا عن المعايير التي يُقاس بها هذا الانتصار.

ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين حزب الله والمشروع الإقليمي الذي يرتبط به. فكلما اشتدت الأزمات، يزداد شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأنّ مصالح لبنان كثيراً ما تأتي في مرتبة متأخرة أمام حسابات إقليمية أوسع. وهذا ما يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار ربط مصير بلد صغير ومأزوم بصراعات مفتوحة تتجاوز قدرته على التحمل.

في النهاية، لا تُقاس الانتصارات بعدد الخطب ولا بحجم الشعارات، بل بما تتركه للناس من أمن واستقرار وفرص للحياة. أما حين يصبح الدمار واقعاً يومياً، فيما يستمر البعض في تقديم الخسارة على أنّها انتصار، فإنّ المشكلة لا تعود في الحرب وحدها، بل في غياب أي مراجعة جدية لنتائجها وتداعياتها.

لقد آن الأوان لطرح السؤال الذي جرى الهروب منه طويلاً: من يملك حقّ تقرير مصير اللبنانيين؟ ومن يملك حقّ الزج ببلد كامل في صراعات تتجاوز حدوده وإمكاناته؟ فالأوطان لا تُبنى بالولاءات الخارجية ولا تُحمى بالمشاريع الإقليمية، بل بدولة سيدة على قرارها، مسؤولة أمام شعبها، وحريصة على مصالح مواطنيها أولاً وأخيراً.