الشقيف، أوجلان والرايات العابرة
الشقيف، أوجلان والرايات العابرة
بعد أربعين عاماً تقريباً، لا يزال أوجلان في السجن. ولا تزال القلعة في مكانها. أما الرايات التي تعاقبت فوقها، فقد أصبحت كثيرة إلى درجة يصعب عدّها.
ظهرت قلعة الشقيف على الأخبار. ظهرت لأنّ إسرائيل احتلتها مجدداً، فعادت معها موجة متوقعة من الحنين والخطابات والرموز الوطنية والبطولات المستعادة من أرشيف الذاكرة اللبنانية. فجأة أصبحت القلعة قضية الساعة، وكأنّ اللبنانيين كانوا يقضون أيامهم أصلاً وهم يفكرون بتلك القلعة المنسية.
أما أنا، فلا أستطيع الادعاء بأنني كنت يوماً من عشاق القلعة. منذ نحو خمس سنوات، زرت الجنوب مع مجموعة من الأصدقاء. وكأي زائر يمر في المنطقة، وصلنا إلى الشقيف. يومها لم أتوقف كثيراً عند المشهد. لم أكن مأخوذاً بالحجارة القديمة ولا بالمنظر الممتد فوق التلال والوديان. الشيء الوحيد الذي أتذكره من تلك الزيارة هو نقاش طويل دار داخل السيارة حول أعمال الترميم التي خضعت لها القلعة.
كان أصدقائي غاضبين. شرحوا لي كيف جرى ترميمها من قِبل شركة تابعة لرندة بري، زوجة رئيس مجلس نوابنا الموقر، وكيف تحولت، برأيهم، إلى نسخة مشوهة عن نفسها. كانوا يتحدثون عن الحجر والإسمنت والواجهات والأقواس كأنّها أعضاء لجنة دولية لحماية التراث العالمي. أحدهم وصفها بأنّها أصبحت «بشعة»، والثاني أكد أنّها فقدت روحها الأصلية، والثالث راح يقارن بين صورها القديمة والجديدة.
استمعت إليهم جميعاً باهتمام، لكن عقلي كان في مكان آخر تماماً. كنت أفكر بمعلومة قرأتها قبل سنوات طويلة في أحد الكتب الأجنبية. معلومة بدت لي أكثر إثارة للاهتمام من القلعة نفسها. عبد الله أوجلان كان هنا. هذا ما كنت أفكر فيه.
الرجل الذي تحول لاحقاً إلى الزعيم الأبدي لـ«حزب العمال الكردستاني»، والذي بنى واحدة من أكثر الحركات المسلحة إثارة للجدل في الشرق الأوسط، مرّ بهذه القلعة وقاتل فيها رجاله في أوائل الثمانينيات. قبل أن يصبح رمزاً قومياً للأكراد، وقبل أن تنتهي رحلته في زنزانة تركية، كان موجوداً هنا، على تلة لبنانية، يحمل السلاح في واحدة من الحروب اللبنانية الكثيرة التي لم يعد معظم الناس يتذكرون تفاصيلها.
في تلك اللحظة، بدت لي القلعة أقل أهمية من الأشخاص الذين مروا بها. فالشقيف ليست مجرد بناء حجري. هي واحدة من تلك الأماكن التي تشبه لبنان نفسه. تمر بها الشعوب والقضايا الكبرى أكثر مما تمر بها العصافير المهاجِرة. يتقاتل فوقها اللبناني والفلسطيني والإسرائيلي والسوري والكردي، ثم يغادر الجميع ويبقى الحجر وحده شاهداً على قصصهم.
لبنان نفسه كان كذلك. بلد تحول منذ السبعينيات إلى مسرح مفتوح لكل حروب المنطقة. كان بإمكان شاب كردي قادم من الأناضول أن يجد نفسه يقاتل على تلة جنوبية، وأن يتدرب في البقاع، وأن يكتب فصلاً من تاريخ حركته السياسية فوق أرض لا علاقة لها أصلاً بقضيته.
ربما لهذا السبب لم أستطِع يوماً أن أتعامل مع الشقيف كرمز لبناني بكل ما للكلمة من معنى. وربما لهذا لا يتعامل كثير من اللبنانيين مع الجنوب برمته كمنطقة لبنانية بتمام الكلمة من معنى. فالقلعة والجنوب هما، بالنسبة إلى كثيرين، محطة في قصة أكبر بكثير منهما.
واليوم، حين أسمع أنّ إسرائيل عادت إليها، لا أشعر بذلك الغضب الوجودي الذي يملأ بعض الشاشات وخطابات ناشطي «المحور» الموتورين. إنّ الاحتلال سيئ بطبيعة الحال، لكن التاريخ علمنا أنّ الاحتلالات مؤقتة أكثر مما نتصور. الجيوش تأتي وتذهب. الحدود تتغير. الرايات تُرفع ثم تُنزل. أما الدمار فهو أكثر نهائية بكثير.
إذا كان الخيار، الأكثر واقعية، بين قلعة قائمة تحت الاحتلال وقلعة مدمرة بالكامل، فأنا أختار القلعة القائمة دون تردد. القلاع والحجارة المرصوفة منذ زمن الصليبيين يمكن استعادتها. أما الحجارة المطحونة بقذائف إسرائيل فلا يمكن جمعها من جديد.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يحب كثيرون سماعها. إنّ القلعة التي يتحدث البعض عن تحريرها بالشعارات والخطب قد تعود في نهاية المطاف عبر الدولة اللبنانية نفسها، وعبر المفاوضات التي تجري اليوم بين لبنان وإسرائيل، أو عبر تفاهمات وترتيبات قد تنشأ مستقبلاً كما حدث في تجارب حدودية كثيرة حول العالم. إنّ التاريخ مليء بأراض استُعيدت بالتفاوض أكثر مما استُعيدت بالبندقية.
كذلك الأمر، إذا كانت الجهة التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها صاحبة مشروع التحرير قد عجزت عن منع سقوط الموقع أساساً، فكيف ستقنع الناس بأنّها قادرة على استعادته؟ هذه ليست مسألة بطولة أو خيانة. إنها مسألة وقائع.
فالحرب الأخيرة غيّرت أشياء كثيرة في لبنان. ليس فقط على الأرض، بل في عقول الناس أيضاً. هناك هالات كاملة انهارت. مسلمات سياسية تبخرت. يقينيات عاش عليها جيل كامل بدأت تتصدع.
بعد أربعين عاماً تقريباً، لا يزال أوجلان في السجن. ولا تزال القلعة في مكانها. أما الرايات التي تعاقبت فوقها، فقد أصبحت كثيرة إلى درجة يصعب عدّها. ربما هذا هو الدرس الحقيقي للشقيف. الأيديولوجيات تمر. الجيوش تمر. الأحزاب تمر. القادة يشيخون أو يموتون أو يدخلون السجون. أما الحجارة، فتبقى تنتظر الجولة التالية من الشمس والمطر والحرب.

