لبنان لا يحتاج الى شارع غاضب، بل الى وطن يجمع أبناءه

لبنان لا يحتاج الى شارع غاضب، بل الى وطن يجمع أبناءه

  • ٠١ حزيران ٢٠٢٦

البيئة الجنوبية اليوم في حالة إنهاك. الناس الذين يتنقلون بين مراكز الإيواء والمدارس والبيوت المهدمة لا يفكرون بإسقاط الحكومة بقدر ما يفكرون بكيفية إعادة ترميم حياتهم.

في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، حيث تتراكم الأزمات فوق أكتاف المواطنين، ويعيش آلاف اللبنانيين تداعيات الحرب والتهجير والخسائر الاقتصادية والاجتماعية، يبدو مستغرباً أن يعود الخطاب السياسي إلى لغة التحريض والتعبئة والانقسام، بدل أن يتجه نحو التهدئة والبحث عن مخارج وطنية جامعة .

فالدعوات التي تُطرح تحت عنوان  أن من حق الشعب النزول الى الشارع واسقاط الحكومة  قد  تبدو للبعض جزءاً من أدوات العمل السياسي، لكنها في واقع لبنان اليوم تطرح أسئلة أكبر من الشعارات نفسها. أي شارع يُراد له أن يتحرك؟ وأي شعب يُطلب منه أن يخوض مواجهة سياسية جديدة فيما لا يزال عاجزاً عن لملمة آثار المواجهات السابقة؟

لبنان اليوم يقف أمام أزمة شاملة. أزمة اقتصاد منهك، ومؤسسات ضعيفة، وقرى مدمرةوآلاف العائلات التي ما زالت تبحث عن استقرار افتقدته منذ أشهر طويلة. وفي مثل هذه الظروفيصبح الحديث عن إسقاط الحكومة أقرب إلى فتح باب أزمة جديدة، لا إلى تقديم حل فعلي للأزمات القائمة .

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة هو إعادة إنتاج الانقسامات الداخليةوإحياء لغة الاصطفافات التي دفع اللبنانيون أثمانها لعقود طويلة. فالبلد الذي يواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية بهذا الحجم، يحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، يطمئن ولا يحرضويفتح أبواب الحوار لا أبواب الشارع .

ولعل المفارقة الكبرى أن هموم الناس الفعلية باتت بعيدة تماماً عن هذه العناوين السياسية الصاخبة. ففي الجنوب، حيث دفعت القرى والسكان أثماناً باهظة، لا يبدو أن الأولوية اليوم هي إسقاط حكومة أو خوض معركة سياسية جديدة. الأولوية الحقيقية هي عودة الحياة الطبيعية .

همّ الجنوبي اليوم أن يعود إلى منزله إن كان منزله ما زال قائماً. وأن تُرفع عنه أعباء النزوح  الطويل. وأن يخرج أبناؤه من الخيم ومراكز الإيواء والمدارس التي تحولت إلى ملاجئ مؤقتة وأن يجد فرصة لإعادة بناء ما تهدم، واستعادة شيء من الأمان الذي افتقده .

الجنوبي الذي عاش الحرب لا يبحث عن معركة سياسية إضافية. والجنوبي الذي خسر منزلاً أو مؤسسة أو مصدر رزق، لا يرى في إسقاط الحكومة مشروعاً يعيد إليه ما خسره. ما يريده ببساطة هو الاستقرار، وإعادة الإعمار، وعودة الدولة إلى القيام بدورها الطبيعي في حماية الناس وتأمين مقومات حياتهم .

من هنا، يبدو أن الخطاب الذي يدفع نحو الشارع يتناقض مع المزاج العام لشريحة واسعة من اللبنانيين الذين أنهكتهم الصراعات. فبعد سنوات طويلة من الأزمات المتلاحقة، لم يعد اللبنانيون يطلبون المزيد من المواجهات، بل المزيد من الحلول .

لقد تعب الناس من الخطابات التي تتحدث باسمهم أكثر مما تستمع إليهم. وتعبوا من المشاريع السياسية الكبرى التي تطلب منهم دائماً التضحية والصبر والتحمل، فيما تتراجع أولوياتهم المعيشية والإنسانية إلى الصفوف الخلفية .

إن المسؤولية الوطنية اليوم لا تكمن في البحث عن طرق لإسقاط هذا الفريق أو ذاك، بل في البحث عن قواسم مشتركة تمنع انهيار ما تبقى من الدولة. فلبنان لا يحتاج إلى شارع غاضب بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية عاقلة. ولا يحتاج إلى تعبئة جديدة بقدر ما يحتاج إلى وفاق وطني يحصنه من الانقسام .

أما اللبنانيون، وخصوصاً أبناء الجنوب، فقد أصبحوا أكثر وضوحاً في أولوياتهم: يريدون بيوتاً لا خيماً، ومدارس للتعليم لا للإيواء، وفرصاً للحياة لا شعارات للمواجهة. وما بين خطاب التحريض وحاجة الناس إلى الاستقرار، تبدو المسافة شاسعة بقدر المسافة بين السياسة كما يريدها  بعضهم والسياسة كما يحتاجها اللبنانيون فعلاً .