من التحرير إلى النزوح.. ستة وعشرون عاماً من الاستنزاف

من التحرير إلى النزوح.. ستة وعشرون عاماً من الاستنزاف

  • ٢٥ أيار ٢٠٢٦

كيف خسر ٢٥ أيار معناه؟ وكيف تحوّل إلى ذكرى تمرّ في سياق الانهيار العام؟ بين أيار ٢٠٠٠ وأيار ٢٠٢٦، تبدّل الجنوب وتبدّل الإنسان الذي فيه؛ وبات يحمل في عينيه دمعةً أطول من كل خطابات الانتصار.

كيف خسر 25 أيار معناه؟

في الذاكرة اللبنانية الحديثة، لم يكن الخامس والعشرون من أيار مجرّد تاريخ عابر في روزنامة السياسة، بل لحظة مكثّفة من المعنى الوطني، يومٌ خرج فيه الجنوب من تحت الاحتلال الإسرائيلي عام ٢٠٠٠، ليُفتح باب طويل من الأسئلة حول الدولة، والمقاومة، والمستقبل. كان ذلك اليوم يُقدَّم كإجماعٍ نادر في بلد اعتاد الانقسام، وكأنّ اللبنانيين وجدوا أخيراً نقطة التقاء فوق الخلافات الطائفية والسياسية.

لكن بعد ستةٍ وعشرين عاماً، يبدو السؤال مختلفاً تماماً: كيف خسر٢٥ أيار معناه؟ وكيف تحوّل من رمزٍ جامع إلى ذكرى تمرّ في سياق الانهيار العام، والهجرة، والتعب الجماعي، وانكسار فكرة الدولة نفسها؟

في عام ٢٠٠٠، كان المشهد بسيطاً في تعقيده السياسي: احتلال من جهة، ومقاومة مسلحة من جهة أخرى، ودولة لبنانية غائبة أو عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها. لذلك، بدا الإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب وكأنّه انتصار مزدوج: عسكري ومعنوي. عسكري لأنّه أنهى وجوداً استمر لسنوات، ومعنوي لأنّه أعاد إلى اللبنانيين شيئاً من الإيمان بأنّ التغيير ممكن، حتى خارج حسابات القوى الكبرى.

لكن ما لم يُحسم يومها هو السؤال الأهم: ماذا بعد التحرير؟ هل يصبح ٢٥ أيار بداية لبناء دولة قوية، أم بداية لمرحلة جديدة من الصراع حول هوية الدولة ودورها وحدودها؟

مع مرور السنوات، بدأت الإجابة تتشكل تدريجياً، لكن ليس بالطريقة التي توقعها كثيرون. فبدلاً من أن يتحول «التحرير» إلى لحظة تأسيس لدولة جامعة، دخل لبنان في مسار سياسي واقتصادي وأمني معقّد، تداخلت فيه الحسابات الداخلية مع التحولات الإقليمية. ومع الوقت، لم يعد ٢٥ أيار مجرد ذكرى لتحرير الأرض، بل صار أيضاً نقطة انطلاق لجدل مستمر حول سلاح المقاومة، ودورها، وموقعها داخل الدولة وخارجها.

هذا الجدل، الذي كان يمكن أن يبقى ضمن إطار سياسي طبيعي، تحوّل تدريجياً إلى انقسام عميق في تعريف معنى «الانتصار» نفسه. ففريق يرى في ٢٠٠٠ لحظة تحرير يجب تثبيتها وتطويرها، وفريق آخر يرى أنّ استمرار منطق السلاح خارج الدولة أنتج اختلالاً بنيوياً في النظام اللبناني.

لكن خسارة المعنى لم تبدأ من السياسة فقط، بل من التحوّل الاجتماعي والاقتصادي الذي أصاب لبنان كله. فالدولة التي كان يُفترض أن تُبنى بعد التحرير، لم تستطِع أن تتماسك. تراكم الدين العام، تراجعت الخدمات، تفككت المؤسسات، ثم جاء الانهيار المالي الكبير بعد 2019 ليكشف عمق الأزمة.

في هذا السياق، لم يعد ٢٥ أيار يُقرأ كحدث منفصل، بل كجزء من مسار طويل انتهى إلى بلد يعاني من انهيار شامل. فالمواطن الذي كان يحتفل بالتحرير، بات لاحقاً يقف في طوابير البنزين، ويبحث عن دواء مفقود، ويهاجر بحثاً عن فرصة حياة لا عن فرصة انتصار.

الهجرة تحديداً كانت واحدة من أكثر العلامات دلالة على خسارة المعنى. فالأجيال التي وُلدت بعد ٢٠٠٠ لم تعِش لحظة التحرير، بل عاشت نتائج ما تلاها: اقتصاد متداعٍ، فرص محدودة، واستقطاب سياسي حاد. بالنسبة لهؤلاء، لم يعد ٢٥ أيار حدثاً حيّاً، بل تاريخاً يُروى في الكتب أو في خطابات السياسيين.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: حين يفقد التاريخ قدرته على إنتاج معنى مشترك، يتحول إلى ذاكرة مجزأة. فبعض اللبنانيين ما زالوا يرون في ٢٥ أيار رمزاً للكرامة الوطنية، بينما يراه آخرون جزءاً من مسار سياسي أدّى إلى تعقيد علاقة لبنان بالعالم العربي والدولي، وإلى زيادة الضغط الاقتصادي والسياسي عليه.

في المقابل، لم تعد الدولة اللبنانية نفسها قادرة على إنتاج سردية موحّدة حول هذا التاريخ. فهي دولة تعيش على حافة الانهيار، منشغلة بإدارة الأزمات اليومية أكثر من إعادة تعريف اللحظات التأسيسية في تاريخها الحديث. ومع غياب مشروع وطني جامع، أصبح كل تاريخ كبير في لبنان عرضة لإعادة التأويل والانقسام.

حتى الجنوب، الذي كان مسرح الحدث في ٢٠٠٠، تغيّر كثيراً. لم يعد فقط رمزاً للتحرير، بل أيضاً منطقة تعيش بين احتمالات الحرب وإعادة الإعمار والهجرة الدائمة. الذاكرة هناك لم تعد مستقرة، بل معلّقة بين ماضٍ مجيد وحاضر مثقل بالأعباء، ومستقبل غير واضح المعالم.

أما على المستوى الإقليمي، فقد تغيّر السياق أيضاً. فالشرق الأوسط الذي خرج منه الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٠، لم يعد هو نفسه في ٢٠٢٦. الحروب، التحالفات، والانقسامات الإقليمية أعادت رسم المشهد، وجعلت من لبنان ساحة متأثرة أكثر مما هي مؤثرة، في حين كان يُفترض أن يكون  ٢٥أيار بداية استعادة التوازن الداخلي.

لكن خسارة المعنى لا تعني غياب الحدث. فـ٢٥أيار لا يزال موجوداً، يُستعاد كل عام في الخطابات والاحتفالات، لكنه فقد شيئاً من قدرته على توحيد اللبنانيين حول رواية واحدة. أصبح تاريخاً يُقال أكثر مما يُعاش، ويُستحضر أكثر مما يُنتج أثره في الحاضر.

وهكذا، بين ٢٠٠٠ و٢٠٢٦، لم يتغير التاريخ، بل تغيّر المعنى الذي يحمله. من لحظة أمل جماعي إلى ذكرى مثقلة بالأسئلة. من رمز للتحرير إلى مرآة لانقسام طويل. من حدث يفتح المستقبل إلى تاريخ يُذكّر بصعوبة الوصول إلى مستقبل أصلاً.

وهكذا، لا يبدو الجنوبي في عام ٢٠٢٦ شبيهاً بذلك الإنسان الذي استقبل أيار ٢٠٠٠بالأرز والرايات وصوت الانتصار. ستة وعشرون عاماً كانت كفيلة بأن تغيّر الوجوه، والقدرة على التحمّل، وحتى معنى الصمود نفسه. فالجنوبي الذي عاش التحرير على أمل أن يكون خاتمةً للحروب، وجد نفسه يعيش بين نزوحٍ وآخر، وبين تهديدٍ وآخر، وبين خسارةٍ وأخرى لا تنتهي.

كبرت خيم النزوح حتى صارت مشهداً دائماً لا طارئاً، وصار صوت المولّدات والبكاء والحقائب المكدّسة أعلى من كل الخطب والشعارات. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالخوف من الحرب، بل بالخوف من حياة كاملة تُستنزف ببطء: فقرٌ يتكاثر، بيوت تُهدم، أعمار تُعلّق، وشباب يهاجرون تاركين خلفهم قراهم معلّقة بين الذكرى والانتظار.

والإسرائيلي الذي خرج عام ٢٠٠٠، عاد حضوره اليوم بطرق أخرى؛ دخولٌ إلى الأرض بالنار والدمار والتهديد الدائم، فيما الجنوبي يقف منهكاً أمام سؤال لم يكن يطرحه قبل سنوات: إلى أين؟ وكم بقي من القدرة على الاحتمال؟

حتى النظرة إلى «المقاومة» نفسها لم تعد ثابتة كما كانت. فالأقوال تبدّلت، ووجهات النظر تغيّرت، ليس بالضرورة إنكاراً لما حدث عام ٢٠٠٠، بل لأنّ الناس باتوا يقيسون الأمور بحجم ما دفعوه من أعمارهم وأرزاقهم واستقرارهم. فحين يتحوّل الخوف إلى حياة يومية، يصبح من الطبيعي أن يتبدّل الوعي، وأن تتسلّل الأسئلة إلى البيوت والقلوب بصمت أثقل من الضجيج.

لهذا، لم يخسر ٢٥ أيار معناه فقط، بل خسر أيضاً ذلك الشعور البسيط الذي جعل الناس يوماً يعتقدون أنّ الغد سيكون أفضل من الأمس. وبين أيار ٢٠٠٠ وأيار ٢٠٢٦،  لم يتبدّل الجنوب وحده، بل تبدّل الإنسان الذي فيه؛ تعب أكثر، خاف أكثر، وبات يحمل في عينيه دمعةً أطول من كل خطابات الانتصار.