الذاكرة اللبنانية: هوية واحدة وأوطان متعددة!

الذاكرة اللبنانية: هوية واحدة وأوطان متعددة!

  • ٢٣ أيار ٢٠٢٦
  • جانيت سلامة

على الباسبور اللبناني، تبدو الهوية اللبنانية جامعة. لكن ما إن ننتقل الى الجماعات يتجلى أنّ الاتفاق على الجنسية لا يعني بالضرورة الاتفاق على معنى الوطن.

في الحقيقة، نحن أبناء دولة واحدة ونعيش ضمن حدود واحدة ونحمل اسمًا واحدًا أمام العالم: لبنان. لكن الأعمق من ذلك، هو السؤال الذي يطرح نفسه كل يوم: ماذا يعني أن نكون لبنانيين؟

ولا يكمن الخلاف في لبنان في الهوية القانونية بل في المعنى السياسي والثقافي والتاريخي لهذه الهوية، ولكل لبناني تصوّره الخاص عن الوطن: فهناك من يرى لبنان مساحة للحرية والتعددية والانفتاح وهناك من يعتبره امتدادًا طبيعيًا لمحيطه العربي وهناك من يربط هويته أولًا بجماعته الطائفية او بانتمائه السياسي أو بخياراته. وبين كل هذه الرؤى المتعددة، يبدو وكأنّ اللبنانيين يعيشون في البلد نفسه لكنهم يتخيّلون أوطانًا مختلفة تحت الاسم ذاته!

هذا التباين لا يظهر فقط في المواقف السياسية بل في النظرة الى التاريخ والى مفهوم الدولة والى علاقة لبنان بمحيطه وحتى الى الأولويات الوطنية نفسها. فما يعتبره فريق جوهر الهوية اللبنانية قد يراه الفريق الاخر تفصيلًا ثانويًا أو حتى مصدرًا للخلاف. لذلك، يصبح النقاش حول لبنان في جوهره نقاشًا حول معنى الوطن وحدوده ورسالة وجوده.

ولا يتجلّى اختلاف اللبنانيين في تعريف هويتهم فقط في الخطاب السياسي أو في الكتب والتاريخ، بل في الأسئلة التي يطرحها كل جيل على نفسه. وبالنسبة الى كثيرين، لبنان هو الذاكرة أي بيت العائلة والقرية والذكريات وبالنسبة الى آخرين هو المشروع الذي لم يكتمل بعد نحو دولة عادلة ومؤسسات فاعلة .

أما لدى الشباب، فتبدو الهوية اللبنانية أقل ارتباطًا بالشعارات وأكثر ارتباطًا بنوعبة الحياة التي يوفرها الوطن لهم بحرية التعبير وفرص العمل والقدرة على الحلم. ومن هنا، تصبح الهوية اللبنانية مفهومًا حيًا يتجدد باستمرار ويبقى سؤالًا مفتوحًا يعيد كل جيل صياغته وفق تجربته ورؤيته للبنان الذي يريد.

في السياق وبالرغم من كل هذا التعدد، يبقى هناك خيط غير مرئي يجمع اللبنانيين وهو الشعور العميق بالانتماء الى أرض صغيرة تحمل ذاكرة مشتركة وتناقضات مشتركة وأملًا مشتركًا مهما اختلفت الطرق المؤدية إليه، وربما تكون خصوصية لبنان في أنّه ليس وطنًا ذا تعريف واحد ونهائي بل مساحة مفتوحة لتفسيرات متعددة يتعايس فيها الاختلاف بقدر ما يتصارع.

في النهاية، قد لا تكون أزمة اللبنانيين أنّ هويتهم ملتبسة أو مفقودة، بل أنّهم لم يتّفقوا يومًا على تعريف واحد لها. ومع ذلك، يبقى اسم لبنان القاسم المشترك الذي يختصر كا هذه التباينات: وطن واحد على الخريطة لكن في داخل كل لبناني نسخة خاصة من هذا الوطن، يحلم بها ويدافع عنها ويرى فيها لبنان الذي يستحق أن يبقى...