الشباب في السياسة: حضور رقمي وغياب فعلي!
الشباب في السياسة: حضور رقمي وغياب فعلي!
يبدو الشباب في لبنان حاضرين بقوة في المشهد السياسي، لكن على شاشة الهاتف أكثر مما هم على أرض الواقع.
الشباب هم الأكثر تفاعلاً، الأكثر تعليقاً، والأسرع في إنتاج الرأي، لكنهم في الوقت نفسه الأقل حضوراً في مواقع التأثير الفعلي. وبين العالم الرقمي والواقع السياسي، تتشكل فجوة تطرح سؤالاً أساسياً: هل الشباب يقومون بدورهم السياسي فعلياً أم افتراضياً فقط؟
في الحقيقة، لا يمكن إنكار أنّ الجيل الشاب في لبنان سياسي بامتياز، لكن بطريقته الخاصة أي من خلال نقاشات يومية على منصات التواصل، حملات ضغط رقمية في القضايا العامة، وتفاعل سريع مع الأحداث السياسية والأزمات.
وتشير تقارير متعددة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ودراسات «الباروميتر العربي» إلى أنّ الشباب اللبناني يُسجّل مستويات مرتفعة من التفاعل مع القضايا السياسية والاهتمام بالشأن العام مقارنة بفئات عمرية أخرى في المنطقة، لكن هذا الاهتمام لا يوازيه اندماج فعلي في المؤسسات السياسية التقليدية.
وتضيف دراسات للبنك الدولي حول لبنان أنّ واحدة من أبرز إشكاليات المشاركة الشبابية ليست في غياب الاهتمام بل في غياب الثقة، إذ يُظهر جزء كبير من الشباب ميلاً واضحاً إلى اعتبار النظام السياسي الحالي غير قادر على إنتاج تمثيل حقيقي ما يدفعهم إلى البحث عن بدائل خارج الأطر التقليدية، وأبرزها الفضاء الرقمي.
هذا التحول أنتج ما يمكن تسميته بـ«المجال السياسي الافتراضي»، حيث تُصنع المواقف العامة وتُدار النقاشات وتُبنى الحملات خارج المؤسسات الفعلية التي تحدث فرقاً.
في السياق، تُظهر أبحاث في علم الاجتماع السياسي والإعلام الرقمي أنّ التحول إلى «المواطنة الرقمية» جعل من الشباب فاعلين أساسيين في تشكيل الرأي العام، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تؤدي دوراً شبيهاً بالإعلام السياسي الموازي.
لكن هذه الدراسات نفسها تحذّر من أنّ هذا النوع من المشاركة رغم كثافته، يبقى هشّاً وسريع التبدل لأنّه يعتمد على التفاعل اللحظي لا على التنظيم المستدام أو البنى السياسية المستقرة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: شباب يصنعون النقاش العام بكثافة غير مسبوقة لكنهم لا ينعكسون بالقدر نفسه داخل دوائر القرار. فالمشاركة الرقمية مهما كانت قوية لا تتحول تلقائياً إلى تمثيل سياسي أو تأثير مؤسساتي. وغالباً ما تبقى محصورة في الضغط الرمزي أو في تشكيل المزاج العام دون القدرة على تحويله إلى سياسات أو إصلاحات.
في المقابل، يكون أحد أسباب هذا الانفصال العودة إلى بنية النظام السياسي اللبناني نفسه الذي ما زال يقوم على منطق تقليدي مغلق، حيث يصعب على الوجوه الجديدة اختراقه بسهولة.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الهجرة الواسعة بين الشباب اللبناني بعد الأزمات الاقتصادية والسياسية الأخيرة ساهمت في تفريغ جزء من الطاقة التغييرية ما عمّق الفجوة أكثر بين «المشاركة» و«التمثيل».
اذاً، الشباب في لبنان ليسوا غائبين عن السياسة بل حاضرون بشكل كثيف ولكن غير تقليدي وحضورهم انتقل من الساحة إلى الشاشة ومن التنظيم إلى التفاعل ومن القرار إلى النقاش.
لكن التحدي الحقيقي، كما تلمّح إليه معظم الدراسات، يبقى في تحويل هذا الزخم الرقمي إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الدخول إلى المؤسسات لا الاكتفاء بالتدوينات من خارجها!

