لبنان.. «اللاحرب» ليست أقل كلفة من الحرب

لبنان.. «اللاحرب» ليست أقل كلفة من الحرب

  • ٢٠ نيسان ٢٠٢٦
  • جانيت سلامة

واشنطن تفضّل إدارة التوتر بدل حسمه، ما يترك ساحات مثل لبنان في حالة تعليق استراتيجي.

لم يعد توصيف لبنان كساحة لتقاطع المصالح الإقليمية مجرّد استعارة سياسية، بل تحوّل إلى واقع قابل للقياس. فالحروب التي تدور في محيطه لم تعد تُخاض بهدف الحسم، بل لإدارة توازنات دقيقة بين قوى أكبر، ما يضع لبنان في موقع «الحدّ الفاصل» بين التصعيد والإنفجار.

منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، تغيّر نمط الإشتباك في جنوب لبنان. ووفق تقارير International Crisis Group، فإنّ ما يجري على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية لا يندرج ضمن حرب تقليدية بل ضمن نموذج «التصعيد المُدار» حيث تُستخدم العمليات العسكرية كوسيلة ضغط متبادلة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة وهذا النموذج قائم على معادلة دقيقة: رفع الكلفة دون كسر التوازن.

هذه المعادلة لا يمكن فهمها خارج إطار يتمثّل في ما تسميه مراكز أبحاث مثل «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» بـ«شبكة الردع الإقليمية». في هذا السياق، يصبح حزب الله جزءًا من منظومة ردع مرتبطة بإيران وليس فقط لاعبًا محليًا.

كما تشير دراسات صادرة عن RAND Corporation إلى أنّ إيران تعتمد ما يُعرف بـ«استراتيجية الدفاع الأمامي» أي نقل خطوط المواجهة خارج أراضيها عبر حلفاء إقليميين.

وهنا، لبنان ليس ساحة حرب بقدر ما هو خط تماس متقدّم في هذه الاستراتيجية.

في المقابل، تعيد إسرائيل صياغة مقاربتها الأمنية: فبعد تجربة حرب تموز 2006، تبنّت ما يُعرف بعقيدة «المعركة بين الحروب» والتي تقوم على تنفيذ ضربات محدودة ومستمرة لمنع تعاظم قدرات الخصوم دون الإنجرار إلى حرب واسعة. هذا ما يفسّر الضربات المتكررة في سوريا والتعامل الحذر مع الجبهة اللبنانية.

أما الولايات المتحدة فتتعامل مع المنطقة ضمن إطار أوسع يرتبط بأمن الطاقة واحتواء إيران مع ميل واضح لتجنّب الإنخراط المباشر، ووفق تقارير Center for Strategic and International Studies، فإنّ واشنطن تفضّل إدارة التوتر بدل حسمه، ما يترك ساحات مثل لبنان في حالة تعليق استراتيجي.

والنتيجة هي ما يمكن وصفه بـ«اللااستقرار المنظّم»: أي لا حرب شاملة لأنّ كلفتها مرتفعة على الجميع ولا سلام فعلي لأنّ التوازنات لم تُحسم.

هذا الواقع ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني: تعطّل الإستحقاقات السياسية التي لا يمكن فصلها عن هذه البيئة الإقليمية. وبحسب تحليل Chatham House، فإنّ الدول ذات السيادة الهشّة تصبح أكثر عرضة لربط قراراتها الداخلية بمسارات خارجية، خصوصًا في ظل غياب توازن قوى داخلي واضح.

إقتصاديًا، تشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ حالة عدم اليقين الأمني المستمر تساهم في تعميق الانهيار، عبر ضرب الإستثمار وتعزيز هجرة الكفاءات. أي أنّ «اللاحرب» ليست أقل كلفة من الحرب، بل قد تكون أكثر استنزافًا على المدى الطويل.

والأخطر أنّ هذا النمط من الصراعات يُعيد تعريف وظيفة الحدود. لم تعد خطوطًا فاصلة بين دول بل مساحات اشتباك مرنة تُستخدم لإرسال الرسائل. فالجنوب اللبناني هو نموذج واضح: منطقة تُدار فيها المواجهة لا تُحسم.

في المحصّلة، لبنان ليس خارج الحرب لكنه ليس داخلها بالكامل هو في موقع وسيط بين التصعيد والتهدئة، حيث تُستخدم أراضيه كجزء من معادلة ردع إقليمية أكبر وهذا الموقع يمنحه أهمية استراتيجية لكنه في الوقت نفسه يحرمه من الاستقرار. والسؤال الأبرز الذي تطرحه هذه المعادلة ليس إن كان لبنان سيتأثر بالحروب بل إلى أي مدى يمكنه الخروج من دور «ساحة الاشتباك المُدار».

 فبين جغرافيا تفرض نفسها ونظام سياسي عاجز عن إعادة إنتاج توازن داخلي مستقل، يبقى لبنان في قلب اللعبة، لكن دون أن يكون لاعبًا كاملًا فيها!