الحوار الدائم.. التفاوض بين لبنان وإسرائيل لم ينقطع يوماً
الحوار الدائم.. التفاوض بين لبنان وإسرائيل لم ينقطع يوماً
منذ أن رُسم خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، لم تتبلور حالة «لا حرب ولا سلام» كجمود سياسي، بل كحالة ديناميكية تتأرجح بين التصعيد والتفاهم.
بداية مسار التفاوض القائم اليوم بين لبنان وإسرائيل ليس حدثاً استثنائياً، ولا تحوّلاً مفاجئاً في مسار العلاقة بين الطرفين، بقدر ما هو امتداد مباشر لتاريخ طويل من التواصل غير المعلن، والوساطات المتقطعة، والترتيبات الأمنية التي لم تغِب يوماً عن خطّ الحدود الجنوبية. ما يبدو اليوم وكأنّه انتقال من القطيعة إلى طاولة الحوار، هو في الحقيقة إعادة ظهور لمسار ظل يعمل في الظل منذ اللحظة الأولى لقيام إسرائيل، وإن تغيّرت لغته وأدواته ودرجة علانيته.
فمنذ أن رُسم خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، لم تتبلور حالة «لا حرب ولا سلام» كجمود سياسي، بل كحالة ديناميكية تتأرجح بين التصعيد والتفاهم. لم يكن الجنوب اللبناني يوماً مساحة مغلقة على الاشتباك وحده، بل كان أيضاً مساحة اختبار دائم لإمكان إدارة الصراع خارج منطق الحرب الشاملة. حتى في أكثر اللحظات توتراً، بقيت قنوات التفاهم الجزئي قائمة، وإن لم تُعلن، تنتقل بين الأمني والسياسي، وبين الوساطة الدولية والاتصالات غير المباشرة.
في هذا الإطار، لم تنجح الحرب يوماً في إنتاج تسوية نهائية أو إعادة أرض بشكل مستقر. فالعمليات العسكرية الكبرى، من المواجهات المبكرة إلى الاجتياحات الواسعة، لم تُحدث تحولاً دائماً في خرائط السيطرة، بل أعادت في كل مرة فتح الباب أمام تفاوض جديد، أو إعادة ضبط لقواعد الاشتباك. حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، الذي بدا أنّه محاولة لفرض واقع سياسي جديد في لبنان، انتهى سريعاً إلى إنتاج تعقيد داخلي وإقليمي أعاد فرض منطق التفاهمات بدل الحسم.
لاحقاً، جاءت مرحلة ما بعد 1982 لتؤكد هذا المسار بوضوح أكبر. فالمفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي أفضت إلى «اتفاق 17 أيار» عام 1983، ثم سقوطه، لم تُنهِ فكرة التفاوض، بل أثبتت أن الصراع بات يُدار على أكثر من مستوى في آن واحد. حتى الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من معظم الجنوب عام 1985 لم يكن نتيجة انتصار عسكري حاسم، بل ثمرة ترتيبات أمنية غير معلنة أعادت صياغة الواقع دون إعلان تسوية شاملة.
ومع دخول لبنان في مسار«مؤتمر مدريد»، ثم سلسلة المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي رافقت بداية تسعينيات القرن الماضي، ترسَّخ أكثر أنّ العلاقة مع إسرائيل لم تُدر فقط عبر المواجهة، بل عبر طبقة دائمة من الاتصالات التي تتحرك تحت سقف الخطاب السياسي. لم تكن تلك الاتصالات كافية لصناعة سلام، لكنها كانت كافية لمنع الانقطاع الكامل، وإبقاء فكرة التفاوض جزءاً ثابتاً من إدارة الصراع.
في هذا السياق أيضاً، جاء «تفاهم نيسان» عام 1996 كإحدى المحطات الأكثر وضوحاً في هذا النمط. فهو لم يكن اتفاق سلام، لكنه وضع قواعد مكتوبة لحد أدنى من ضبط العنف، وأقرّ عملياً بأن حماية المدنيين وإدارة الاشتباك تحتاج إلى تفاهمات متبادلة، حتى بين أطراف في حالة عداء «مطلق». ومع الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، لم ينتهِ الصراع، لكنه انتقل إلى مرحلة جديدة من التوازنات غير المكتوبة، التي استندت إلى الردع بقدر ما استندت إلى الاتصالات غير المباشرة.
أما في العقود اللاحقة، فقد أخذ هذا النمط شكلاً أكثر تقنية وأقل سياسية، كما في اتفاقيات تبادل الأسرى، وترسيم الحدود البحرية عام 2022، الذي جرى بوساطة دولية، وأنتج حلاً عملياً لملف معقد من دون أن يغيّر طبيعة العلاقة السياسية بين الطرفين. ثم تتابعت آليات التهدئة، من اتفاق وقف إطلاق النار إلى لجان المتابعة (الميكانيزم)، وصولاً إلى قنوات التواصل التي أعادت فتح باب الحوار ولو بشكل محدود وتدريجي.
من هنا، فإنّ ما يجري اليوم لا يمكن فهمه كقطيعة مع الماضي، بل كامتداد له. فلبنان وإسرائيل لم يخرجا يوماً من منطق التفاوض، حتى عندما كانا في ذروة المواجهة. الاختلاف الوحيد أنّ هذا التفاوض كان يتبدل شكله، من السر إلى العلن، من الأمني إلى السياسي، ومن الوساطة إلى اللقاء المباشر.
بهذا المعنى، لم تكن الحرب يوماً وسيلة حاسمة لاستعادة الأرض أو تثبيت الحقوق. فالوقائع التاريخية الممتدة منذ 1948 حتى اليوم تشير إلى أنّ الصراع مع إسرائيل لم يُحسم في ميادين القتال، بل أُدير عبر طبقات متراكمة من التفاهمات الجزئية، التي أعادت رسم الحدود أكثر مما فعلت المدافع. وكما هو الحال عند مصر والأردن وفلسطين كذلك هو عند لبنان، فكل أرض عادت، عادت عبر اتفاق أو تفاهم أو تفاوض، لا عبر معركة فاصلة... وكل أرض لم تعُد، لم تنجح الحرب في استرجاعها مهما طال أمدها.
وهكذا، يبدو التفاوض القائم اليوم أقل ما يكون مفاجأة، وأكثر ما يكون استمراراً لمسار طويل لم ينقطع يوماً، بل ظل يتغير شكله فقط. وفي المقابل، لم تُثبت الحروب، رغم رمزيتها العالية في الذاكرة السياسية والشعبية، أنّها قادرة على إنتاج حلول دائمة، بقدر ما كانت تفتح الباب أمام جولات جديدة من التفاوض، في حلقة متصلة لم تغادرها المنطقة منذ أكثر من سبعة عقود.

