لبنان واقتصاد محور الممانعة
لبنان واقتصاد محور الممانعة
أي اهتزاز في التمويل الإيراني، لن يُصيب الحزب وحده، بل سيضرب البنية الاقتصادية التي نشأت حوله.
لم يقتصر نفوذ حزب الله في لبنان على السلاح والسياسة فقط، بل نجح على مدى سنوات في بناء ما يشبه اقتصاداً موازياً كاملاً، يعمل خارج المنطق الطبيعي للدولة وخارج القواعد التقليدية للسوق.
هذا الاقتصاد لم ينشأ صدفة، بل تشكّل تدريجياً بدعم من شبكة مالية معقدة استفادت من الفوضى اللبنانية، ومن انهيار الرقابة، ومن بيئة مصرفية كان رياض سلامة أحد أبرز من أدارها ووفّر لها الغطاء المباشر أو غير المباشر.
والنتيجة كانت ولادة اقتصاد ظلّ حقيقي، يمتد من شبكات الصرافة والتحويل المالي، إلى التجارة، إلى مؤسسات وشركات كبرى قادرة على بيع سلع بأسعار أدنى أحياناً من بلد المنشأ نفسه، في مشهد لا يمكن تفسيره إلا بوجود ضخ مالي خارجي ضخم، وبعمليات تبييض أموال منظمة، كان المال الإيراني أحد أعمدتها الأساسية.
هذا الواقع لم يبقَ محصوراً داخل البنية التنظيمية للحزب، بل انعكس بوضوح على البيئة الشيعية التي تحولت خلال سنوات إلى واحدة من أكثر البيئات اللبنانية قدرة على الإنفاق والصرف، رغم كل الانهيارات التي كانت تضرب البلاد.
في وقت كانت فيه شرائح واسعة من اللبنانيين تسقط تباعاً في الفقر والعجز، كانت الحركة التجارية في عدد كبير من القطاعات لا تزال تستند إلى زبائن يملكون قدرة شرائية مرتفعة، من السهر والمنتجعات الليلية، إلى محلات الملابس الفاخرة، إلى معارض السيارات، إلى أنماط استهلاك لا تشبه واقع بلد منهار.
لم يكن ذلك تفصيلاً اجتماعياً عابراً، بل مؤشراً اقتصادياً واضحاً على أنّ شرياناً مالياً موازياً كان يضخ الحياة في جزء أساسي من السوق اللبناني، وأنّ هذا الجزء لم يكن يعيش وفق قواعد الاقتصاد الوطني، بل وفق قواعد التمويل السياسي المرتبط بمحور الممانعة.
وكما نجح حزب الله في تكريس نفسه كدولة داخل الدولة، نجح أيضاً في فرض اقتصاد داخل الإقتصاد، حتى باتت قطاعات واسعة من الحياة الإقتصادية اللبنانية تدور في فلك هذا النموذج المشوّه. لم تعد المسألة مجرد مؤسسات حزبية أو جمعيات خدماتية، بل شبكة كاملة خلقت مصالح، وحرّكت الأسواق، وربطت عشرات آلاف الناس بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الاقتصاد الموازي.
من هنا، فإنّ أي اهتزاز كبير في التمويل الإيراني، أو أي تشديد جدي على شبكات الحزب المالية، لن يُصيب الحزب وحده، بل سيضرب البنية الاقتصادية التي نشأت حوله، وسيفتح فجوة هائلة في السوق اللبناني كله.
ومع تصاعد الضغط الغربي على حزب الله، واستمرار التراجع الإيراني مالياً وسياسياً، يبدو هذا السيناريو أقرب من أي وقت مضى. اقتصاد الظل الذي عاش طويلاً على المال السياسي، وعلى التهريب، وعلى التبييض، وعلى الدعم الخارجي، قد يقترب من لحظة الاختناق. وعندما ينهار هذا الاقتصاد، فإنّ ارتداداته لن تبقى داخل بيئة الحزب فقط، بل ستمتد إلى السوق اللبناني بأكمله، لأنّ جزءاً كبيراً من دورة الاستهلاك والاستيراد والإنفاق في لبنان بات مرتبطاً به بشكل أو بآخر.
وعندها قد يجد لبنان نفسه أمام صدمة تشبه، من حيث الأثر، تلك التي نتجت عن سحب أموال منظمة التحرير الفلسطينية من المصارف اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي، يوم انكشفت هشاشة البنية التي كانت قائمة على أموال سياسية عابرة.
عند تلك اللحظة، لن يكون أمام لبنان ترف المكابرة أو الانتظار. فالبلد الذي أُنهك بفعل اقتصاد السلاح والتهريب والولاءات الخارجية، سيكون مضطراً للبحث عن مظلة إنقاذ حقيقية، لا عن أوهام جديدة. وهنا تحديداً يبرز الدور العربي، وخصوصاً الخليجي، بوصفه الفرصة الوحيدة المتبقية لانتشال لبنان من السقوط الكامل، شرط أن يثبت أولاً أنّه يريد فعلاً العودة إلى الحضن العربي، لا أن يطلب المال من أصدقائه العرب فيما لا يزال ممسكاً بسياسات أعدائهم. فهل ينجح لبنان في تقديم هذا التحول، كي تمد له السعودية وسائر الدول العربية يد العون، أم أنّه سيبقى أسير اقتصاد المحور إلى أن ينهار فوق رؤوس الجميع؟

