من اتفاقٍ إلى آخر.. حين تتحوّل التسويات إلى أزمات
من اتفاقٍ إلى آخر.. حين تتحوّل التسويات إلى أزمات
منذ إقرار اتفاق الطائف، بدا وكأنّ لبنان خرج من نفق الحرب إلى رحابة الدولة لكن هذا الأمر لم يتحقق فعليًا!
الإتفاق الذي أنهى رسميًا الحرب الأهلية اللبنانية أعاد رسم التوازنات السياسية، وكرّس معادلة «لا غالب ولا مغلوب»، فخمدت أصوات الرصاص وتقدّمت لغة المؤسسات إلى الواجهة غير أنّ هذا الانتقال لم يكن تحوّلًا جذريًا بقدر ما كان إعادة ترتيب للواقع نفسه بأدوات أكثر هدوءًا وأقلّ صخبًا.
تشير دراسات صادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنّ النظام الذي تكرّس بعد الطائف لم ينجح في بناء مؤسسات فعّالة بقدر ما أعاد إنتاج شبكات الزبائنية السياسية داخل إطار الدولة.
فبدل أن تتراجع المحاصصة، توسّعت لتشمل الإدارة العامة والتوظيف والخدمات، ما جعل الدولة نفسها ساحة تقاسم نفوذ. ويظهر ذلك بوضوح في تضخّم القطاع العام منذ التسعينيات، وفي غياب معايير الكفاءة لصالح التوازنات الطائفية والسياسية.
في جوهره، لم يُلغِ الطائف بنية النظام القائم على المحاصصة، بل أعاد توزيعها. فبدل أن يُنتج دولة مدنية قادرة على تجاوز الانقسامات، ثبّت توازنات دقيقة تقوم على تقاسم النفوذ. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه التوازنات إلى قيود تُكبّل أي محاولة إصلاح، إذ باتت كل خطوة مشروطة بحسابات الطوائف ومصالح القوى السياسية.
هكذا، أُطفئت الحرب، لكن أسبابها بقيت قائمة، تنتظر لحظة انفجار جديدة بأشكال مختلفة.
اليوم، يتكرّر المشهد ذاته في كل استحقاق. من تشكيل الحكومات إلى انتخاب الرؤساء، يُدار البلد بمنطق التسوية لا بمنطق الدولة. تُعقد الاتفاقات تحت ضغط الانهيار، لا بدافع بناء نظام مستدام. وما إن تُنجز تسوية حتى تبدأ ملامح أزمة جديدة بالتشكّل، لأنّ الحلول لم تُلامس أصل المشكلة، بل اكتفت بتدوير الزوايا الحادّة.
الأخطر أنّ هذه المقاربة تحوّلت إلى نهج ثابت. فبدل أن تكون التسوية مرحلة انتقالية نحو إصلاح حقيقي، أصبحت غاية بحدّ ذاتها. يُحتفى بها كإنجاز، فيما هي في الواقع مجرّد تأجيل لانفجار أكبر. ومع كل جولة جديدة، تتراجع ثقة الناس، وتتآكل مؤسسات الدولة، ويترسّخ شعور بأنّ الأزمات في لبنان لا تُحلّ، بل تُدار.
فبين الطائف وتسويات اليوم، خيط واحد واضح: عقلية تُفضّل التكيّف مع الأزمة بدل مواجهتها. عقلية ترى في الوقت حلًا، لا عامل ضغط. لكن الزمن، في حالة لبنان، لا يُصلح الأعطال، بل يُراكمها.
والعبرة ليست في رفض التسويات، بل في حدودها. فحين تُبنى الحلول على مبدأ التأجيل بدل المعالجة، تتحوّل من مخرج للأزمة إلى جزء منها. وعندها، لا تعود الاتفاقات محطات إنقاذ، بل حلقات في سلسلة انهيار طويل

