لبنان بعد شهر من الحرب.. مخاطر الديموغرافيا والجغرافيا

لبنان بعد شهر من الحرب.. مخاطر الديموغرافيا والجغرافيا

  • ٠٥ نيسان ٢٠٢٦
  • كلاريتا شمعون

لا يبقى من الضجيج سوى أسئلة تتسلل بهدوء إلى الوعي العام: ماذا لو؟ ومن قرر؟ وهل كان يعلم؟ التجربة اللبنانية تقول شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم: في هذا البلد، تُتخذ القرارات أولًا، وتُطرح الأسئلة لاحقًا.

في لبنان، لا تبدأ الحروب حين تُطلق الصواريخ، بل حين يُتخذ قرار لا يعرف أحدٌ تمامًا من اتخذه، ولا إلى أين سيقود. كل شيء يبدو ضبابيا وفي رأي بعض الأشخاص «ضروريًا»، لكن الزمن وحده يكشف إن كان ما جرى خيارًا أم مغامرة، دفاعًا أم اندفاعًا.

ومع مرور الأيام، لا يبقى من الضجيج الأول سوى أسئلة تتسلل بهدوء إلى الوعي العام: ماذا لو؟ ومن قرر؟ وهل كان يعلم؟.

بعد مرور شهر على اندلاع الحرب في لبنان، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى مشروع تغيير شامل في الجغرافيا والديمغرافيا، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبرى على مستقبل البلاد.

في الميدان، لم يعد التوغل الإسرائيلي محصورًا بالحدود أو بمناطق الاشتباك المباشر، بل يتجه نحو تعميق السيطرة داخل الأراضي اللبنانية. التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي تتحدث عن التقدم إلى عمق 25 و40 كيلومترًا تعكس نية واضحة لفرض واقع أمني جديد، يتجاوز فكرة «المنطقة العازلة"» إلى إعادة رسم حدود النفوذ بالقوة.

جنوب الليطاني، الذي كان يُعتبر خطًا استراتيجيًا حساسًا، بات اليوم شبه محاصر. هذا الحصار لا يقتصر على البر، بل يمتد تدريجيًا إلى البحر، حيث تلوح في الأفق مخاطر السيطرة على الثروات البحرية، خصوصًا النفط والغاز في المياه الجنوبية. وكما يجري تثبيت السيطرة على الأرض، يبدو أنّ هناك توجهًا مماثلًا لفرض أمر واقع في البحر، ما يهدد سيادة لبنان على موارده الطبيعية.

الأخطر من ذلك، هو ما بدأ يتكشف على المستوى الديمغرافي. الحديث عن منع مئات الآلاف من العودة إلى مناطقهم لا يمكن قراءته إلا ضمن سياق تغيير سكاني ممنهج، يتقاطع مع المسار العسكري ويخدم أهدافًا تتجاوز المواجهة الآنية.

وبحسب ما يشير إليه العميد المتقاعد فادي داوود، فإن ما يجري اليوم يتجاوز العمليات العسكرية المحدودة، ويدخل في إطار إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الجنوب اللبناني، سواء عبر السيطرة الميدانية أو من خلال فرض وقائع جديدة على الأرض والسكان.

أمام هذا المشهد، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: من اتخذ قرار إدخال لبنان في هذه المواجهة؟ وهل كان يدرك بحجم التحولات التي يمكن أن تترتب عليها؟.

منذ سنوات، لم تغادر عبارة «لو كنت أعلم» ذاكرة اللبنانيين ولم تكن مجرد جملة عابرة، بل تحوّلت إلى اعتراف متأخر بثقل قرارات دفعت البلاد ثمنها غاليًا. اليوم، يعود السؤال نفسه، ولكن هذه المرة بصوت أعلى: هل من قرر زجّ لبنان في هذه الحرب كان يعلم فعلًا إلى أين تتجه الأمور؟.

لكن التجربة اللبنانية تقول شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم:

في هذا البلد، تُتخذ القرارات أولًا… وتُطرح الأسئلة لاحقًا.