باولو بورجيا.. حين يمشي الإيمان على أرض الجنوب

باولو بورجيا.. حين يمشي الإيمان على أرض الجنوب

  • ٠٥ نيسان ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

المطلوب إستلهام هذا النموذج. أن يتحول الحضور إلى فعل، والقدرة إلى مبادرة، والدور إلى مسؤولية تُمارَس يومياً. أن تصبح هذه الروحية قاعدة، لا إستثناء.

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس الأدوار بما يُقال، بل بما يُفعل. هناك، في التفاصيل الصغيرة التي لا تصنع عناوين كبيرة، يتكشف المعنى الحقيقي لأي رسالة، دينية كانت أم سياسية أم إنساني.

في أقصى الجنوب، حيث يكثر الخوف هذه الأيام، وحيث بات البقاء قراراً يومياً لا شعاراً، برز مشهد مختلف. ليس استثنائياً في حجمه، بل في دلالته. رجل دين لا يكتفي بالحضور الرمزي، بل يختار أن يكون جزءاً من المشهد، بكل ما يحمله من تعب ومخاطر. هناك، يتحرك باولو بورجيا، سفير الفاتيكان في لبنان، بهدوء لافت، ولكن من دون كلل. لا استعراض، ولا مبالغة، بل عمل متواصل يكاد لا يهدأ. زيارة القرى، اللقاء مع الناس، توزيع المساعدات بيده، متابعة الاتصالات، والسعي الدائم لتأمين الحد الأدنى من الطمأنينةكأنّ الرجل قرر أن يحوّل مهمته إلى التزام يومي لا ينقطع.

وليس تفصيلاً أن يقرر أن تكون وجهته إلى دبل يوم أحد القيامة. ولو  لم تنجز لأسباب خارجة عن قدرته ففي التوقيت دلالة، وفي المكان رسالة. أن يُحتفل بالقيامة في أرض مهددة، فهذا بحد ذاته موقف. أن تُرفع الصلاة حيث الخوف حاضر، فهذا إعلان بأنّ الإيمان لا يُؤجل بانتظار الاستقرار.

لكن ما يلفت أكثر، ليس فقط الحضور، بل الإصرار. مروحة اتصالات واسعة، متابعة حثيثة مع المعنيين، وسعي واضح لتثبيت الناس في أرضهم. ليس عبر وعود كبيرة، بل عبر جهد يومي متراكم، يعمل بصمت، ولكن بأثر ملموس. الفاتيكان حاضر في قلب الجنوب.

وهكذا، تتجاوز الصورة بعدها المباشر. ما يقوم به هذا الرجل لا يمكن قراءته فقط في إطار دبلوماسي أو كنسي. هو، في جوهره، ترجمة حية لتعاليم المسيح: القرب من الناس، لمس معاناتهم، والعمل لأجلهم دون انتظار مقابل. لا تنظير، ولا تعقيد، بل بساطة تشبه البدايات الأولى، حين كان الإيمان يُقاس بالفعل لا بالكلام. وهذا تحديداً ما يعطي لهذا الدور وزنه.

في بلد اعتاد على الخطابات الكبيرة، يصبح العمل الصامت حدثاً. وفي واقع يثقل بالتردد، يكتسب الإصرار قيمة مضاعفة. وكأن ما يُقدَّم من سفير الفاتيكان ليس مجرد مبادرة، بل تذكير بما يجب أن يكون عليه الدور الحقيقي لأي مرجعية روحية.

ومن هنا، يبرز السؤال الطبيعي: إذا كان هذا ممكناًلماذا لا يصبح نهجاً؟ لماذا لا تتحول هذه الروحية إلى سياسة ثابتة؟ لماذا لا تُترجم الإمكانات الكبيرة إلى خطوات مماثلة، وربما أوسع وأعمق؟ فالمشكلة ليست في القدرة، بل في القرار.

وهنا، تتجه الأنظار تلقائياً إلى بكركي. ليس من باب المقارنة، بل من باب الدور المفترَض والتوقع الطبيعي. فحين يُظهر سفير الفاتيكان في لبنان هذا القدر من الإلتزام والعمل المتواصل، يصبح من البديهي أن يُطرح السؤال: لماذا لا نرى اندفاعة مماثلة من المرجعية الأقرب إلى الناس، والأكثر ارتباطاً بأرضهم وتفاصيلهم؟

المطلوب ليس أكثر من استلهام هذا النموذج. أن يتحول الحضور إلى فعل، والقدرة إلى مبادرة، والدور إلى مسؤولية تُمارَس يومياً. أن تصبح هذه الروحية قاعدة، لا استثناء. لأنّ الناس، في نهاية المطاف، لا تبحث عن رمزية الموقع، بل عن حرارة الفعل. لا تحتاج إلى عناوين كبيرة، بل إلى خطوات ملموسة تشعرها أنّ هناك من يقف معها، فعلاً لا قولاً.

ما ننتظره اليوم ليس فقط الاستمرار في هذا المسار، بل توسيعه. ليس الاكتفاء بالإشادة، بل الاقتداء. لأن ما يُبنى بالفعل، وحده، يبقى. وما يحتاجه هذا البلد... هو المزيد من هذا النوع من الحضور.